‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب كورد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب كورد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب كورد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب كورد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 24 أبريل 2019

حقيقة إبادة الآرمن

حقيقة إبادة الآرمن

حقيقة إبادة الآرمن
جلال زنگابادي
يقيناً أنّ قضيّة (إبادة الأرمن) شائكة ومعقّدة جدّاً تستوجب قراءة موضوعيّة معمّقة وموسّعة ؛ نشداناً للحقيقة ؛ فقد روّجت أوساط أطرافها ذات العلاقة (الترك ، الأرمن ، الكرد ، الآشوريّون ، الروس ، الألمان ، الإنكَليز ، الفرنسيّون ، الكنائس و...) أكاذيب وأغاليط وأضاليل باتت من قبيل الأمور المسلّم بها حتى عند أغلب الباحثين المتشدّقين بالأمانة العلميّة والموضوعيّة الحياديّة !
لم تقتصر الإبادة على الأرمن حصراً، وإنّما شملت الكرد واليونانيين والآشوريين ، و لو لمْ تنهزم السّلطنة العثمانيّة في الحرب ؛ لفعلت الشيء نفسه بالعرب ...

يُعَد ظهور المسألتين الكرديّة والأرمنيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من أعظم التحدّيات التي واجهت الإمبراطوريّة العثمانيّة الآيلة إلى الإنهيار ، إذ زادت الدول العظمى إحتدام الصراعات الدائرة بين (الكرد والأرمن) و(الترك) وبين (الأرمن) و(الكرد) ؛ بإتّجاه يحقق مآربها ، ودعمت وسائل دعايتها الأرمن ، بلْ بالغت بالضرورة في ترويج مشاهد مظالم العثمانيين وعسف المسلمين وبربريّة الشعب الكردي!
أجلْ ؛ فقد لعبت الدول : الألمانيّة ، الروسيّة القيصريّة ، البريطانيّة ، النمسويّة ، الفرنسيّة والإيطاليّة ...بسياساتها المنافقة واتفاقاتها السرّيّة ومعاهداتها العلنيّة ، لعبت أخبث دور في احتدام (المسألة الأرمنيّة) والبلايا التي أصابت الشعب الأرمني ؛ لضمان مصالحها السياسيّة والإقتصاديّة ؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين ، أصبح الشعب الأرمني بمثابة بيدق شطرنجي في اللعبة السياسية بين الدول المذكورة والسّلطنة العثمانيّة ، إذْ لعبت تلك الدول بالبيدق الأرمني بحجّة (حماية المسيحيين) ؛ لتحقيق مصالحها السياسيّة والإقتصاديّة في عقر دار (الرجل المريض) ؛ فجاء ردّ فعل السلطنة العثمانيّة شديداً ؛ إذْ نفّذ السّلطان عبد الحميد الثاني صاحب المقولة الشهيرة :
" إنّ التخلّص من المشكلة الأرمنيّة ؛ يكون بالتخلّص من الأرمن أوّلاً "! نفّذ حملة إبادة في (1894- 1896) ناف عدد ضحاياها على (300 ألف) أرمني..وتلاه رد فعل حكومة (الإتحاد والترقّي) في 1913 بكل فصاحة في تصريح موجّه إلى النخبة السياسيّة الأرمنيّة :
" أيّها الأرمن ! إذا لم تكفّوا عن المطالبة بالإصلاحات ؛ سيصيبكم شيء ؛ بحيث ترون مذابح عبد الحميد بالمقارنة معه قد كانت لعب أطفال !" في حين كان الأرمن أبرز حلفاء (الإتحاد والترقّي) في الثورة على السطان عبدالحميد ، بلْ كانوا أصدقاء يقدّمون الدعم لبعضهم البعض في الإنتخابات .. وهكذا فقد انخدع الأرمن أكثر من الكُرد بـ (جمعيّة الإتحاد والترقّي) بلْ تعاونوا معها اكثر ، لكنّ أملهم قد خاب ؛ إذْ تلقّوا الإبادة جزاءَ ذلك !
ففي ليلة 24على 25 نيسان 1915 قامت سلطات حكومة الإتحاد والترقّي الطورانيّة باعتقال (235 مثقفاً) من خيرة أعيان الشعب الأرمني ، في أستانبول وزجّتهم في السجون ، ثمّ نقلتهم إلى الأناضول ، و زاد العدد إلى قرابة (600 معتقل) وفي الأيّام اللاحقة ، ولمْ ينجُ منهم سوى (15شخصاً) من القتل ، وعندها قصد (فارتكيس) عضو البرلمان التركي الذي كان ما يزال طليقاً ، قصد صديقه الحميم طلعت باشا وزير الداخليّة ؛ ليستفسر منه عن حقيقة الأمر؛ فأجابه طلعت بكل صراحة :
" في أيّام ضعفنا ؛ حاولتم خنقنا بمطالبتكم بالإصلاحات الأرمنيّة ؛ لذلك سنستفيد الآن من الظروف الملائمة التي نحن فيها ؛ لكي نشتت شعبكم بطريقة تجعلكم لا تجرؤون على التفكير بالإصلاحات لمدّة خمسين سنة !"
فتساءل فارتكيس : " يعني لديكم النيّة في إكمال ما فعله عبدالحميد ؟!"
فأجابه طلعت بكل وقاحة : " نعم! "
وهكذا كان مخطط تهجير الأرمن وإبادتهم جاهزاً ؛ حسب ( قانون النقل وإعادة التوطين) الذي أصدره البرلمان العثماني لاحقاً في 27 مايو/أيار 1915:
(1) سوق شباب الأرمن إلى الخدمة العسكريّة في شباط 1915 بدون تسليح ، ومعاملتهم كمساجين في العمل الإجباري ؛ حيث مات معظمهم من الإرهاق والمرض والجوع ، أو الإجهاز عليهم ..
(2) إعتقال خيرة أعيان الأرمن في السياسة والثقافة.. في ليلة 24 / 25 نيسان 1915 كما سلف.
(3) وبعدها إستفرد الجيش التركي والجندرمة بالشعب الأرمني الأعزل المغلوب على أمره ؛ إثر فقد شبابه وقادته ؛ ممّا سهّل تنفيذ المخطّط الإجرامي لإبادته ؛ حيث لمْ يلقَ المجرمون الطّورانيّون سوى مقاومات ضئيلة التأثير ، في حين سمّتها الحكومة التركيّة الشوفينيّة بـ (التهجير) ! وادّعت أنّ عدد الضحايا لمْ يتجاوز (60 ألفاً) في حين بلغ عدد الضحايا الأرمن أكثر من مليون ونصف المليون خلال السنوات (1894- 1923) ؛ إذْ لمْ تقتصر الإبادة على الفترة (1915- 1918) وإنّما نُفّذت أيضاً في الفترتين : (1894- 1896) عهد السلطان الأحمر عبد الحميد الثاني ، و(1919- 1923) في أوائل عهد كمال أتاتورك ، بعد تحالفه سنة 1922 مع روسيا البلشفيّة التي تخلّت عن مطالبها وإمتيازاتها في الإمبراطوريّة العثمانية المنهارة ، حيث سحبت جيشها ، وفسحت المجال للجيش التركي بالتوغّل واجتياح مناطق أرمينيا حتى آذربايجان ، حيث أجهز على اللاجئين الأرمن الناجين من المذابح السّابقة ، إضافة إلى المناطق الجديدة المجتاحة .
×××
في الوقت الذي شارك أكثر الترك في عمليّات التطهير العرقي للأرمن ؛ بصفتهم (القوميّة الحاكمة في السّلطنة العثمانيّة) ، وقف أغلب الشعبين الكردي والعربي وقفة مشرّفة إبّان محنة الشعب الأرمني والمسيحيين الآخرين ؛ فقد جازفت عشائر و عوائل كرديّة وعربيّة وحتى تركيّة بحماية الكثيرين من الأرمن وخاصّة أطفالهم ، أجلْ إنّ معظم الأرمن الناجين من المذابح خمّن الباحث الكردي حسن هشيار عددهم بـ (165 ألف) والكردلوجي السوفياتي ك .أ. تشاتشيان بـ (200 ألف) كانت نجاتهم بفضل الكرد ، بينما كانت الأوامر تقضي بإعدام كل من يؤوي الأرمن ويساعدهم ، لكن الشوفينيين من الأرمن وبعض المسيحيين الآخرين مابرحوا ينكرون جميل الشعب الكردي !
فلا عجب إذنْ ؛ إذا سعى عتاة الطورانيين (البانتركيزم) ومازالوا يسعون إلى إلصاق مسؤوليّة جريمة إبادة الأرمن بالشعب الكردي ؛ كأنّ السلطنة العثمانيّة المبيدة للأرمن وغيرهم كانت دولة كرديّة وكان سلطانها وحكّامها من الكُرد ! في حين كان الكرد حالهم حال العرب والأرمن واليونانيين والشركس واللاز وغيرهم من رعايا الإمبراطوريّة التركيّة المسؤولة عن مصايرهم ؛ تبعاً للقوانين والأعراف الدوليّة .
ويزعم بعض الأرمن وغيرهم أن للمرتزقة الكرد (فرسان الحميديّة) دوراً بارزاً في إبادة الأرمن خلال السنوات (1915- 1918) ، وهنا لامناص من توضيح المشهد الحقيقي ؛ وهو ان السلطان عبدالحميد الثاني شكّل (الألوية الحميديّة) في مطلع صيف 1891 من القوميّات غير التركيّة : الألبان ، الشركس ، الكرد والأرمن ؛ بحجّة " تأديب العصاة" وقمع " حركات التمرّد" ، وكان ذلك يعني في الواقع قمع انتفاضات وثورات الكرد والأرمن وشعوب البلقان . وقد بلغ مجموع (الألوية الحميديّة) نحو (100- 110 آلاف فارس) يشكّلون (200 أورطه = كتيبة) كل واحدة منها متكوّنة من (500- 550 فارساً) وكان القسم الكردي يبلغ قرابة (10 آلاف فارس) أي عشر(الألوية الحميديّة) ، وليس معظمها كما أشاعت الأوساط الشوفينيّة المعاديّة للأمّة الكرديّة ، ولم تكن تابعة لأيّ حزب أو تنظيم سياسي كردي . ولقد قويت شوكة (الألوية الحميديّة) ومارست عمليّات قمع ضد الأرمن والكرد وغيرهم ، بل غدا الترك أنفسهم يخشون سطوتها وبطشها ! وطبعاً شاركت في حملة إبادة الأرمن خلال (1894- 1896) وحتى في تلك الحملة أنقذ الكرد الكثير من الأرمن ومنهم إبراهيم باشا ملّي الذي أنقذ حياة قرابة عشرة آلاف أرمني ، في حين كان من أقوى قادة الألوية الحميديّة آنذاك ، وقد تكرر ذلك أثناء مذابح 1915.
وهنا لابدّ من الإشارة والتأكيد على ان أجهزة استخبارات السّلطنة العثمانيّة شكّلت فرقاً خاصّة من السجناء والمجرمين والرعاع الترك وغيرهم ترتدي الزيّ الكردي ؛ بقصد إلصاق الجرائم بالشعب الكردي وكانت الأكثر شراسة في ارتكاب المذابح !
أمّا العصابات الأرمنيّة المسلّحة فقد كانت تابعة للأحزاب الأرمنيّة التي كانت تحسب الكرد العدوّ الأوّل للأرمن دائماً، في حين مابرح الكرد يدافعون طوال أربعة قرون عن إستقلال إماراتهم ذات الحكم الذاتي ضد التداخلات التركيّة ، و كان الأرمن رعاياهم ؛ والإنتفاضات والثورات الكرديّة العديدة ، التي شارك الأرمن والآشوريّون في بعضها أسطع برهان على ذلك ، بلْ لم يتحالف أيّ حزب أو تنظيم سياسي كردي مع الأتراك ضد الأرمن ، وحرّم أغلب علماء الدين الكرد قتل الأرمن ومنهم الشيخ سعيد بيران الذي قال : " إنّ منْ يقتل أرمنيّاً كمنْ قتل مسلماً" وأوصى بالتستّر عليهم وإيوائهم من شرور الترك ، وقد أُغتيل الملّا المتنوّر البارز سعيد شمديناني (1885- 1918) ؛ لأنه كان قد أفتى فتوى مضادّة لفتوى الجهاد العثماني القاضي بقتل المسيحيين . في حين تحالف الأرمن مع جمعيّة الإتحاد والترقّي التركيّة خلال السنوات (1908- 1914) بلْ حرّضت الأحزاب الأرمنيّة على قتل الكرد ؛ إذْ قتلت الفرق الأرمنيّة عشرات الألوف من الكرد وهجّرت مئات الألوف منهم بمؤازرة الجيش الروسي الذي اجتاح كردستان في أوائل 1916 حتى بلغ راوندوز وخانقين ، وهناك وثائق تؤكد قتل العصابات الأرمنية ( 519 ألف) مسلم في تركيا، وطبعاً أكثرهم من الكرد.

من المؤكّد أن تأجيج السّلطات التركيّة للنعرة الدينيّة ، والمجاعة ؛ قدْ هيّجت مشاعر ومطامع الآلاف من الرعاع واللصوص والمجرمين الترك والكرد والعرب والشركس... ضد الأرمن وغيرهم من المسيحيين ، وكرد فعل أيضاً لتحالف الأحزاب الأرمنيّة كـ (هانشاك) و(طاشناق) مع روسيا القيصريّة ومشاركة الثوّار الأرمن في جيشها المجتاح لكردستان وقتل عشرات الألوف من المسلمين الكرد خاصّةً وتهجير مئات الألوف ، بلْ قتل الأرمن من الموالين لحكومة الإتحاد والترقّي والعاملين في شرطتها وإداراتها ، وكذلك النبلاء الأرمن ، لاسيّما التجّار والكهنة ، ناهيكم عن الجواسيس الأرمن لصالح السّلطنة التركيّة..

بشهادة أغلب الأجانب من القناصل والساسة والسيّاح والمبشّرين ، كانت العلاقات جيّدة بين الشعبين الكردي والأرمني منذ القدم ، ولمْ يكن هناك أيّ خلاف مستديم أو صراع بينهما حتى ظهور (المسألة الأرمنيّة) في عام 1877 والتي تلخّصت ظاهريّاً بـ " حماية الأرمن من الكرد والشركس " بحجّة درء خطر الشعب الكردي الجاهل البربري عن الأمّة الأرمنيّة المتحضّرة والمسيحيين عموماً، أمّا باطنيّاً فقد تغيّا الأرمن بمؤازرة القوى الكبرى تأسيس (دولة أرمنستان) على أرض كردستان ذات الأغلبيّة الكرديّة وتهجير الكرد منها، وطبعاً إستفرصت الدول الكبرى هذه المسألة وضعف السّلطنة العثمانيّة وإستغلّتهما في سبيل بسط هيمنتها الكولونياليّة على عموم المنطقة ، وتجاهلت تراجيديا ضحايا الكرد الذين تجاوز عددهم المليون ، بلْ عتّمت عليها إعلاميّاً ؛ لمجرّد كونهم كرداً ومسلمين ! حيث قامت السلطات الطورانية بتهجير الكرد في أواخر شتاء 1916 إلى عمق الأناضول الغربيّة ؛ لتتريكهم و تمهيداً لتتريك الأناضول الشرقيّة (كردستان) بتوطين الوافدين من الأتراك البلغار ومسلمي ألبانيا والبوسنة والأجزاء الأخرى من البلقان والشركس والشيشان ، ورغم كل ذلك إستكرد أغلب أولئك الوافدين لاحقاً؛ لأن الأتراك غزاة ومحتلّو (تركيا!) التي هي أصلاً وطن الكرد والأرمن واليونانيين والآشوريين . ولعلّ التقارب الأرمني - الكردي في مؤتمر الصّلح في باريس (18 كانون الثاني 1919- 21كانون الأول 1920) و المتمثّل بإتفاق الوفدين الأرمني والكردي والبيان المشترك الذي وجّهه رئيسا الوفدين بوغوص نوبار باشا و الجنرال شريف باشا إلى الرئيس الفرنسي كليمانصو بصفته رئيساً للمؤتمر ؛ أسطع دليل على التآخي بين الشعبين العريقين الكردي والأرمني !
وهكذا فقد راح الشعب الأرمني ضحيّة لتشابك مصالح القوى العظمى وصراعاتها للإستحواذ على مناطق النفوذ ؛ حيث أُبيد قسم كبير منه ، وهُجِّر القسم الأكبر منه فتشتّت في أنحاء العالم.
فلا عجب أنْ يتباهى طلعت باشا (عرّاب الإبادة) لاحقاً :
" لقد فعلت في يوم واحد من أجل حلّ المسألة الأرمنية أكثر ممّا فعله عبد الحميد خلال 30 سنة"
وهو الذي وجّة بضع برقيّات صريحة المضامين جدّاً بإبادة الأرمن إلى الولاة والجيش والجندرمة ، ومنها هذه البرقيّة إلى والي (ديار بكر) :
" إحرقْ ..دمّرْ ..أقتلْ "
كما قال رائد في الجيش التركي مفتخراً :
" لقد قمنا بما لم يفعله كلّ السلاطين السابقين ؛ إذْ قتلنا شعباً ذا تاريخ خلال شهرين"!
أجلْ ؛ فقد أكّدت حكومة الإتحاد والترقّي في العديد من البرقيّات إلى ولاتها متضمّنة الأمر الآتي :
" يجب أن يتلاشى الشعب الأرمني"

لقد قام الطّورانيّون بتهجير اليونانيين من تركيا من قبل ، و " يمكننا أنْ نؤكّد هنا أنّ عدم اعتراض العالم المتمدّن ضد هذا التهجير ؛ قدْ شجّع الأتراك لاحقاً لتطبيق الطرق نفسها، ليس على اليونانيين فحسب ، بلْ على الأرمن و السّريان والنسطوريين وغيرهم من الشعوب الخاضعة لهم..." كما أكّد هنري موركَنتاو (السفير الأمريكي في أستانبول آنذاك) ، ثمّ انّ " ما حصل أمس للأرمن ، حصل للعرب ، وللأكراد ، ولشعب جنوب أفريقيا ، وقدْ يحصل لأيّ شعب ، و لأيّة أمّة ؛ مهما كانت حضارتها زاهرة في الماضي ، ومهما كان حقّها ساطعاً ؛ ممّا يحوّل قضيّة الأرمن إلى همّ عالمي إنساني لايزيحه إلّا تطبيق العدالة وسيادة الأعراف الدوليّة الحضاريّة " (ص16 د. نعيم اليافي / مجازر الأرمن..)
والآن مطلوب من الجميع موقف حاسم واضح من إبادة الأرمن وغيرهم...إستناداً الى معاهدة (منع جريمة الإبادة ومعاقبتها) للأمم المتحدة في سنة 1948، وكذلك إتفاقية (عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية) للأمم المتحدة في سنة 1968مع إرسال وفد كردستاني من المثقفين الأكفاء إلى أرمينيا للمشاركة في مراسم مئويّة الإبادة الكبرى للأرمن..

دور ألمانيا في إبادة الأرمن
وأخيراً إعترف رئيس ألمانيا يواكيم غاوك بإبادة الأرمن ودور ألمانيا فيها قائلاً :
" الألمان أيضاً يتحمّلون جزءاً من المسؤوليّة ، وفي بعض الأحيان شاركوا فعليّاً فيما جرى للأرمن "
كان طموح ألمانيا تأسيس إمبراطوريّة ؛ فتقرّبت من السلطنة العثمانيّة (العليلة) الرخوة ؛ لتمتد عبرها حتى الخليج الفارسي/ العربي ؛ مستغلّة حجّة تقوية جيش السلطنة ومد خط السكك الحديد برلين - بغداد ؛ لتضرب مصالح غريمتيها روسيا وبريطانيا . ولكون ألمانيا من (دول المحور) في الحرب العالميّة الأولى ؛ فقد أصبحت حليفة للسلطنة العثمانيّة المعادية لروسيا القيصريّة التي كانت تساند الحركة الأرمنيّة المسلّحة ؛ فلا عجب إنْ طرحت ألمانيا فكرة تهجير الأرمن على حكومة (الإتحاد والترقّي) ؛ للحد من النفوذ الروسي ، بلْ كان شرطها في الإتفاق مع الإتحاديين هو قتل الأرمن ! ولقد كشف الكاتب الألماني بول رورباخ ذلك قائلا :
" جرى في برلين قبل فترة مؤتمر أوصى بوجوب تفريغ أرمينيا من الأرمن ؛ بتشتيتهم في بلاد مابين النهرين ، وعلى الأتراك أن يملأوا مناطقهم ؛ حتى تتحرّر أرمينيا بالكامل من النفوذ الروسي ؛ وتتزوّد مابين النهرين بمزارعين ، هي بأمسّ الحاجة إليهم "
وعليه ؛ فقد شاركت ألمانيا مشاركة فعّالة في إبادة الأرمن بدعم السلطنة العثمانية وإعانتها على الصُّعد : العسكريّة ، الإقتصاديّة والإعلاميّة ، لاسيّما بتحديث جيشها وتطوير أسلحته وتدريبه من قبل الخبراء العسكريين ، وكانت الشركات الألمانيّة تبني الجسور وتعبّد الطرق وتمد خطوط السكك الحديد ، وكان الجيش التركي يقترف الجرائم على مرأى ومسمع الخبراء والمدرّبين الألمان ، بل كان جنود ألمان يشتركون أحياناً في عمليات الإبادة ، ويتاجرون بالفتيات والنسوة الأرمنيات !
ودعماً لحكومة الإتّحاديين ؛ برّر دعاة البانجيرمانيزم جرائم الأتراك على انّها دفاع عن النفس !بلْ راح الإعلام الألماني الرسمي يروّج أباطيل وأضاليل الإعلام التركي ؛ لتغطية إبادة الأرمن وتبريرها ، بينما كانت الرقابة تعتّم على أخبار المذابح ، و تتيح المجال للدبلوماسيين والمسؤولين الأتراك لترويج خطابهم الرسمي على المنابر الإعلاميّة الألمانيّة !
وفي أثناء المذابح أهاب البعض بقيصر ألمانيا ؛ ليتدخّل لصالح الأرمن المظلومين ؛ فصرّح :
" أنّه ليس مستعدّاً لمقايضة عظام جندي بروسي واحد بكلّ المسألة الشرقيّة "!
وللتأكيد على موقف ألمانيا ؛ إليكم ما قاله هومان الملحق البحري الألماني :
" أعرف الأرمن ، وأعرف أن الأرمن والأتراك لا يمكنهما التعايش في هذا البلد ؛ لذا يجب على أحد العرقين أن يتلاشى ! لا ألوم الأتراك على ما يفعلونه بالأرمن ! أجلْ ؛ أعتقد إنهم معذورون تماما. يجب أنْ تخضع الأمّة الأضعف وتموت !
يسعى الأرمن إلى تقطيع أوصال تركيا ، وهم أعداء الأتراك والألمان في هذه الحرب ؛ ولذلك لا يحق لهن أن يحيوا هنا !"
ولذلك صرّح الشخصية الألمانية هاري ستوبرمر :
" إن هذا العار الذي سيسجّله التاريخ العالمي هو انّ إبادة شعب بكامله ذي حضارة راقية ، يُعَد أكثر من مليون ونصف المليون نسمة ، إبادة وحشيّة أُعِدَّ لها بعناية ، تجري في عهد تتمتّع فيه ألمانيا بأكبر نفوذ في تركيا!"
وبناءً على ما سلف ، لو لمْ تنهزم ألمانيا في تلك الحرب ، ولو لمْ يفلح (الجمهوريّون الألمان) بإسقاط القيصر الألماني وتشكيل الحكومة الجمهوريّة ؛ لما تحوّلت محاكمة صوغومون تهليريان الأرمني ، الّذي إغتال طلعت باشا ، من محاكمة جنائيّة إلى محاكمة سياسيّة ، بلْ ساحة مجابهة ساخنة جدّاً " بين أتباع الفكر القيصري المؤيّد للحكومة التركيّة الحليفة (السابقة) من جهة ، وأتباع الفكر الجمهوري المدافع عن الشعب الأرمني.."
وهكذا واتت الظروف سنة 1921في العهد الجمهوري الألماني ؛ لتتحوّل محاكمة الجاني تهليريان قاتل طلعت باشا إلى محاكمة سياسيّة لصالح الشعب الأرمني ؛ حيث حوّلت (القاتل) إلى (ضحيّة) و(ممثّل لمليون ونصف مليون أرمني مغدور) ، بينما حوّلت (الضحيّة) طلعت باشا إلى المسؤول الأوّل ، بلْ (ممثّل لمجرمي البانتركيسم الضّالعين في إبادة الأرمن).
وبعدها لم يمضِ أكثر من عقد ونيّف ، فإذا بالوحش النازي الشوفيني يمتطي ظهر ألمانيا ويقوده إلى إشعال حرب عالمية ثانية طاحنة ومدمّرة أضعاف الحرب الأولى ، مستهدية بحاديها الأرعن هتلر ، الذي راق له صمت العالم على إبادات الشعوب في الحرب العالمية الأولى ؛ ففي 22 آب 1939 كشّر عن أنيابه :
" لقد أصدرت الأمر إلى وحدات الموت التابعة لي بأن تبيد، بلا رحمة أو شفقة ، رجال العرق الناطق بالبولونية، ونساءه وأطفاله . فنحن نستطيع، بهذه الطريقة فقط، حيازة المدى الحيوي الذي نحن في حاجة إليه. ثم ، من يتذكر، اليوم، إبادة الأرمن ؟!"


كيف قتل الوحش الطوراني جركز احمد زوهراب و فارتكيس ؟
كان كَريكَور زوهراب (1861- 1915) من أكبر الشخصيّات الأرمنية آنذاك ؛ فهو قاص بارز في مصاف تشيخوف تُرجمت قصصه إلى قرابة 30 لغة ، ومناضل عنيد ضد الإستبداد والظلم ، وكان قانونيّاً كبيراً ومحامياً شهيراً " قوي الحجّة ، شديد الجرأة ، فولاذي الجرأة (...) أنقذ حياة المئات من موكّليه من المناضلين الثوّار؛ وبسبب ذلك ألقي القبض عليه عدة مرّات ، وحتى السلطان عبد الحميد كان يود التخلّص منه وإبعاده " وقد منعته السّلطات من مزاولة المحاماة ؛ فغادر تركيا إلى أوروبّا في 1905، لكنه عاد في 1908 إثر انقلاب الإتحاديين ؛ فأنتخب نائباً في مجلس المبعوثان (البرلمان التركي) في السنوات (1908- 1915) فكان من أبرز الخطباء بفصاحته ومناصرته لقضايا الشعب عموماً وقضية الأرمن خصوصاً ، ولمّا شرع الطورانيون بإبادة الأرمن ؛ قدّم إلى البرلمان شكوى شديدة اللهجة مستنكراً المظالم بحق الشعب الأرمني ، في 19 أيار 1915 وفي اليوم التالي ألقوا القبض على زوهراب ، وساقوه إلى المنفى والذبح مع فارتكيس سرنكَوليان (1871- 1915) النائب في البرلمان العثماني والصديق المقرّب لطلعت باشا، وسبق أن نصحه البعض من أبناء قومه بالهرب وإنقاذ حياته ، لكنه رفض الهرب وقال:
" لمن أترك هذا الشعب المستضعف ؟! لا، لا أستطيع الهرب . واجبي أن أقف مع شعبي حتى المعقل الأخير..."
ويُروى أنّ كريكور كان يُعد من الأصدقاء الحميمين لطلعت باشا ، وقد أُعتُقِل بعد تناول عشاء مع طلعت باشا و لعبة نرد بينهما؛ إذ كان طلعت قد أصدر أمراً باعتقاله قبل الزيارة ؛ فما أشنع نذالة وغدر الوغد طلعت !
وفي 7 تمّوز 1915 قتل الوحش الطوراني الشهير جركز احمد زوهراب وفارتكيس أبشع قتلة ، حسب رواية المؤرّخ التركي أحمد رفيق الذي قابل المجرم جركز احمد وسأله :
" حسناً هذا المدعو زوهراب و....غيره ، ماذا حدث لهم؟
- آ آ آ ، أ لمْ تعلمْ ؟ لقد قتلتهم جميعاً !
(ونفخ دخان سيكَارته عالياً ، ثمّ مسح بيده اليسرى شاربيه وواصل حديثه)
- كانوا آتين من حلب ؛ فقطعنا الطريق عليهم و.حاصرنا عربتهم فوراً ؛ فعرفوا بأنهم سيُقتلون .
قال فارتكيس :
- حسناً يا احمد بيك ..إنكم تعاملوننا بهذا الشكل ، ولكنكم ماذا ستفعلون مع العرب ؟ إنهم غير راضين عن معاملتكم لهم أيضاً .
فقلت له :
- هذا ليس من شأنك يا بهيم !
وفجّرت رأسه برصاصة من سلاحي الماوزر ، وقبضت على زوهراب وبطحته أرضاً تحت أقدامي وحطّمت رأسه بحجر كبير، وظللت أضربه ؛ حتى مات }
ويُروى أن الدركي جركز احمد كان يتباهى بأنه قد قتل أكبر عدد من الأرمن ، وكان يسخر من طلعت باشا الذي كان يقضي أوقات فراغه في شرب الخمر ، وليس في قتل المزيد من الأرمن!
ولقد جهر بقتله لزوهراب وفارتكيس ؛ إثر تعرّضه لحادث أو مرض مميت ؛ فباح لممرضة يعتقد انها من أصول أرمنية أو مختلطة (تركية من أم أرمنية) بالحقيقة قائلاً :
" إن الله ينتقم مني لكريكور زوهراب وفارتكيس فبيديّ الآثمتين هاتين سحقت رأس كريكور وفارتكيس بحجر كبير، ولا تزال عينا كريكور زوهراب المعاتبتين ترافقانني في نومي وفي يقظتي ليل نهار" !
هذا بينما أشاع طلعت باشا أن زوهراب مات بالسكتة القلبيّة ، وكان الأرمن يظنون أنه شنق ، ولم يعرفوا بمقتله الفظيع مع فارتكيس في طريق عودتهما من حلب إلى أستانبول ؛ بغية محاولة أخيرة لثني الأتراك عن تنفيذ خطّة الإبادة .
و هكذا قتل الطورانيّون المجرمون المئات من الشخصيّات الأرمنية وغيرها من ساسة ، قادة أحزاب ، أطبّاء ، أدباء ، أعضاء برلمان ، مؤرّخين ، محامين ، مهندسين ، موسيقيين و رجال دين ..وكانت الطريقة المتّبعة لقتلهم هي سوق الضحايا بحجّة التهجير إلى أماكن أخرى ، بمرافقة الجندرمة ، ثمّ قتلهم في الطرقات من قبل الجندرمة أنفسهم أو فرق الإبادة الخاصّة ..

هكذا قتل الطورانيّون وشرّدوا الآلاف من المثقفين الأرمن
لأن مثقفي أيّ شعب بمثابة الرأس المفكّر الحادي له ؛ فإن إبادتهم وتشريدهم ؛ تسهّلان جدّاً إبادة وصهر وتذويب الشعب المستهدف ، إضافة إلى تدمير وإزالة المعالم والآثار الثقافيّة والحضاريّة الدّالّة على عراقة وجوده التاريخي..وعليه ؛ فقد إبتدأ بها المخطط الطوراني لإبادة الأرمن بإبادة وتشريد نخبته الثقافية ؛ ففي ليلة 24على 25 نيسان 1915 قامت سلطات حكومة الإتحاد والترقّي الطورانيّة باعتقال (235 مثقفاً) من خيرة أعيان الشعب الأرمني ، في أستانبول وزجّتهم في السجون ، ثمّ نقلتهم إلى الأناضول ، ثمّ ناهز العدد (600 معتقل) في الأيّام اللاحقة ، ولمْ ينجُ منهم بحياته سوى (15شخصاً) ، وراح الطورانيّون يقتلون ويشرّدون ما يزيد على (1700) شخصيّة أرمنية في أوج النضج والعطاء من : ساسة ، قادة أحزاب ، أطبّاء ، أدباء ، أعضاء برلمان ، مؤرّخين ، موسيقيين ، فنّانين تشكيليين ، ممثّلين ، أساتذة ، مدرسين ، محامين ، مهندسين ، رجال دين ، تجّار ورياضيين ..وكانت الطريقة المتّبعة لقتلهم هي سوق الضحايا بحجّة التهجير إلى أماكن أخرى بعيدة عن سوح المعارك ، بمرافقة الجندرمة ، ثمّ قتلهم في الطرقات من قبل الجندرمة أنفسهم أو فرق الإبادة الخاصّة ..
ولقد تضافرت خسائر الأرواح مع الخسائر الإقتصاديّة التي كانت فادحة جدّاً ؛ حيث صودرت ممتلكات الأرمن العقاريّة بالأخص كالقصر الرئاسي وقصر كانكايا ، والودائع المصرفيّة وبوليصات التأمين الخاصّة بالأرمن ، والتي تقدّر بعشرات الملايين من الليرات الذهبيّة العثمانيّة ، وأملاك الوقف التي ناهزت (2700 كنيسة) و (500 دير) وأكثر من (2000 مدرسة) مصادرة ومدمّرة ..ويقدّر عدد من الباحثين التعويضات المترتبة (42- 88 مليار دولار أمريكي) لسنتي (1915 و 1916) و (50- 105 مليارات دولار) للفترة (1915- 1923) 
وليست القائمة الآتية إلّا عشر معشار ضحايا المذابح (1915- 1923) من القتلى والمشرّدين (جيل الكارثة والمحنة) الّذي عانى أمرّ المرارات في دياسبورا المنافي والمهاجر ، ورغم كل ذلك برز هنا هناك وهنالك الآلاف من الأدباء والفنانين والباحثين والأكاديميين والعلماء ...؛ فتحيّة إجلال وإكبار للشعب الأرمني (العنقاء) 

قتلى: 
(1) كَريكَور زوهراب (1861- 1915) : شاعر ، قاص ، روائي ، صحافي ، حقوقي وسياسي بارز. قتله الوحش الطوراني الشهير جركز احمد .
(2) كارابيت باشايان (1864- 1915) : كاتب ، مفكّر ، صحافي ، طبيب ومناضل . قٌتِل في وادي (بنيامي) في جنوب أنقره .
(3) يروانت سرماكشخانليان (1870- 1915)عصامي واسمه الأدبي (يروخان) : قاص ، روائي ، مترجم وصحافي . سيق في مايس 1915 مع عدد كبير من الأدباء والمفكّرين الأرمن إلى ديار بكر ، حيث قطعوا رأسه بالبلطة مع أفراد أسرته كافّة .
(4) فارتكيس سرنكَوليان (1871- 1915) : سياسي معروف و نائب بارز في البرلمان العثماني . أُبعد إلى حلب ، وقتله السفّاح الطوراني جركز احمد. 
(5) روبين زارتاريان (1874- 1915) : قاص ، شاعر ، صحافي و مربّي .
(6) إندرا (1875- 1921) إسمه الأصلي (ديران تشراكيان) : شاعر . أفلح في الهرب عند اقتياده إلى المنفى ، لكنه أصيب بخلل عقلي ، وقبضوا عليه في 1921 وقتلوه قرب آمد (ديار بكر)
(7) سيامانتو (1878- 1915) : شاعر وكاتب . إسمه الأصلي (آدوم يرجانيان) ، قُتِل في مجزرة 1915
(8) كيغام بارسيغيان (1883- 1915) عصامي : قاص ، شاعر وصحافي . 
(9) دانييل فاروجان (1884- 1915) : شاعر ، كاتب ، صحافي ومؤسس محفل الأدباء الأرمن في استانبول . قتله الجلّادون بعد تعذيب شديد. 
(10 ) روبن سيفاك (1885- 1915) : شاعر ، كاتب وطبيب .
(11) آ. كَنوني : مفكّر
(12) شافارش كريسيان : رياضي
(13) مكرديج مكريان : رياضي
(14) فاهان تشيراز : رياضي
(15) هايك جولوليان : رياضي
(16) كريكور جولوليان : رياضي 


أدّي شير (1867 - 1915) : 
ولد في شقلاوه . رئيس مطارنة سعرت للكلدان الكاثوليك . كاتب ، باحث ومؤرّخ باللغات : السريانيّة ، العربية ، الفرنسيّة ، الألمانيّة والإنكَليزيّة ، ومن أعماله : ( تاريخ كلدو وآثور) ، (سيرة أشهر شهداء المشرق القديسين) ، (كتاب الألفاظ الفارسية المعرّبة) و(Épisodes de l’histoire du Kurdistan) بالفرنسية.
كان أدّي شير علّامة نابغة يجيد اللغات : السريانية ، العربية ، الفرنسية ، اللاتينية ، التركية ، العبرية ، اليونانية ، الفارسية ، الكردية ، الألمانية والإنكليزية . 
لقد حاول شير خلال مجازر(سيفو) إنقاذ رعيّته من كلدان سعرت ؛ بدفع خمسة آلاف قطعة ذهبية للحاكم العثماني ؛ ليسمح لمسيحيي البلدة بالفرار، لكن الحاكم نكث وعده ، وأمر بقتلهم.. وثمّة بضع شهادات مختلفة نوعمّا عن مقتل العلّامة شير ، لكنّها متّقة على إنقاذ صديقه الكردي الشهم عثمان آغا له من سجن سعرت وأخذه إلى قريته طنزي ، لكنّ الزبانية الطورانيين عثروا عليه وعذّبوه تعذيباً شديداً ، وقطعوا رأسه في (حزيران 1915) وسلّموه للحاكم تأكيداً على مقتله.

ناجون و دياسبوريّون: 
(1) ليفون باشاليان (1867- 1943) : قاص ، صحافي ، مترجم عن الفرنسية وناشط. أضطرّ إلى الهرب من مذابح السلطان عبد الحميد في 1896 إلى لندن ، حيث أصدر مجلة أدبية ، ثمّ عمل مديراً لشركة البترول الفرنسية في باكو خلال (1901- 1920) ثمّ انتقل إلى باريس وعمل عضواً في اللجنة الأرمنية...وبعدها اصدر مجلة أدبية بالأرمنية والفرنسية حتى وفاته .
(2) كوميتاس (1869- 1935) إسمه الأصلي (صوغومون كَيفورك صوغومونيان) : راهب ، عالم موسيقي وملحّن عبقري . سيق إلى المنفى في مجزرة 1915 فنجا من القتل بأعجوبة ، لكنه فقد عقله والقدرة على الكلام ، وعاش في مصح في فرنسا حتى وفاته.
(3) فاهان ماليزيان (1871- 1968) : شاعر، كاتب وحقوقي . هاجر إلى القاهرة ، ثمّ إلى فرنسا ، حيث عاش حتى وفاته .
(4) أرشاك تشوبانيان (1872- 1954) : شاعر ، قاص ، مترجم ، ناقد، صحافي و باحث . هرب في 1896إلى باريس ، حيث نشط حتى كاتباُ ومترجماً باللتين الأرمنية والفرنسية حتى وفاته بحادث سير.
(5) روبن فوربريان (1874- 1931) : شاعر. أمضى فترة في جيبوتي بعد المجزرة ، ثمّ هاجر في 1920 إلى فرنسا ، حيث عمل في التجارة وعاش حتى وفاته .
(6) زابيل يسايان (1878- 1943) : قاصّة ، روائيّة وكاتبة مقالات باللغتين الأرمنيّة والفرنسيّة . رحلت سنة 1895 إلى باريس بغية الدراسة ، ومكثت هناك حتى 1933وغادرتها إلى أرمينيا السوفياتيّة ، وقد سيقت إلى سيبيريا ، حيث ماتت بلا قبر! 
(7) فاهان تيكيان (1878- 1945) : شاعر، كاتب ومترجم . نجا من المجزرة ؛ لأنه كان خارج تركيا، ثمّ أضطرّ إلى الهجرة إلى القاهرة وتوفّي هناك .
(8) هاكوب أوشاكان (1883- 1948) إسمه الحقيقي (هاكوب كوفاجيان) : قاص ، ناقد ، روائي وكاتب مسرحي . ثقّف نفسه بنفسه وأتقن اللغتين الفرنسية والألمانية . فلت من المذابح هارباً إلى القاهرة ، وانتقل إلى القدس ، حيث عمل في تدريس الأدب الأرمني ، ومن ثمّ انتقل إلى حلب ، وعاش حتى وفاته . 
(9) آهارون تاتوريان (1886- 1965) : شاعر وأكاديمي . فرّ إلى بلغاريا، ثمّ درس في براغ ، ومن ثمّ هاجر إلى فرنسا، حيث عاش حتى وفاته.
(10) هاكوب منسوري (1886- 1978) إسمه الأصلي (هاكوب دميرجيان) عصامي . ثقف نفسه بنفسه ، وعمل في بضع حِرَف : قاص . فقد جميع أفراد عائلته في مذابح 1915. 
(11) فاهرام تاتول (1887- 1943) : شاعر وصحافي . هاجر سنة 1922لى فرنسا ، حيث نشط ثقافيّاً حتى وفاته.
(12) كَارابيد سيدال (1891- 1972) : شاعر ، باحث وصحافي . فقد والديه خلال مجازر (1891- 1972) وعاش في ميتم أمريكي في مدينة (وان) ، وفي 1914هاجر إلى أمريكا ، حيث عمل وعاش حتى وافته المنية.
(13) آرسين يركَات (1893- 1969) : شاعر. رحل إلى القاهرة ، ثمّ فرنسا ، حيث أكمل دراسته ، نشر أعماله وعاش حتى وفاته. 
(14) آزاد فشدوني (1894- 1958) : شاعر وكاتب . إسمه الأصلي (كَارابيد ماميكَويان) هرب في سنة 1914 إلى تفليس عاصمة كَرجستان (جورجيا) 
(15) هاما سديغ (1895- 1966) إسمه الحقيقي (هامبرسوم كلنيان) : قاص ، شاعر وروائي . سافر في 1913 إلى أمريكا ملتحقاً بوالده ، حيث عاش ونشط ثقافيّاً حتى وافته المنية بينما كان يلقي كلمة في حفل يوبيله الأدبي الخمسين. 
(16) فاهيه هايك (1896- ؟!) إسمه الحقيقي (فاهيه دينجيان) قاص ، شاعر وروائي . في 1915 هرب إلى اليونان ، ثمّ قصد أمريكا في1920 ، واستقر هناك حتى وفاته .
(17) بنيامين نوريكان (1897- ؟!) : قاص وناقد . هاجر في 1913 إلى امريكا ، حيث تخرّج في جامعة كولومبيا فرع الآداب سنة 1921، وأصدر مجلة (الكتابة الجديدة) التي إستقطبت عدداً كبيراً من الأدباء الأرمن في المهجر..
(18) آلكساندر كَلجيان (1900- ؟!) شاعر. تشرّد أثناء مذابح 1915 ، ثمّ هاجر في 1920إلى أمريكا ، حيث عاش حتى وفاته.
(19) نائيري زاريان (1900- 1969) : روائي وكاتب مسرحي . فقد أهله خلال مذابح 1915 وترعرع ونشأ في أرمينيا.
(20) آرام هايكاز (1900- 1986) : قاص ، روائي وكاتب مقالات . فقد أهله في مذابح 1915 ونجا من القتل بأعجوبة ، وعاش خمس سنوات متخفّياً بأسماء زائفة بين الأكراد يعمل راعيا أو حطّابا أو فلّاحا أو كاتب حسابات عند أحد االآغوات ، ثمّ هاجر في 1920 إلى أمريكا ، حيث عمل مصوّرا وفن الحفر. 
(21) سارمن (1901- 1984) : شاعر وكاتب. إسمه الأصلي (آرمناك سركيسيان) . قُتِل أبواه في مجزرة 1915 فلجأ مع شقيقته إلى أرمينيا الشرقيّة ، حيث تربّى في ميتم. 
(22) بيوزاند توباليان (1902- 1970) : شاعر ورسّام . هاجر إلى سوريا إثر مجزرة 1915، ثمّ إلى فرنسا في 1920 ، حيث نشط ثقافيّاً حتى وفاته.
(23) زاريه فوربوني (1902- 1981) إسمه الأصلي (زاريه أوكسوزيان) : قاص ، روائي وصحافي . أفلحت أمّه في تهريب أطفالها الأربعة من مذابح 1915 إلى مدينة سيباستابول ، ثمّ عادت بهم إلى أستانبول ، حيث تتلمذ زاريه في مدرسة بربريان ، ثمّ قصدت العائلة باريس ، حيث إستقرّت ، وثقّف زاريه نفسه بنفسه...ونشط في حراكه الثقافي حتى وفاته ، بينما كان يدير مطعماً .
(24) فازكَن شوشانيان (1903- 1941) : شاعر وكاتب. فقد جميع أفراد عائلته أثناء المجازر. هاجر في 1922 إلى باريس ، حيث نال شهادة عالية في الزراعة وتربية الأغنام ، وعمل مدرّساً حتى وفاته . 
(25) كَوركَن ماهاري (1903- 1969) : شاعر ، ناقد أدبي وكاتب . إسمه الأصلي (كَوركَن عجميان). نزحت عائلته سنة 1915 إلى أرمينيا الشرقيّة . 
(26) شاهان شاهنور (1903- 1974) إسمه الأصلي (شاهنور كراستاجيان) : قاص ، روائي ، شاعر ، ناقد وكاتب مقال باللغتين الأرمنية والفرنسية ، ومعروف في فرنسا باسم (أرمين لوبان) هرب سنة 1922إلى فرنسا ، حيث عانى من الفقر والتشرّد وأصيب بالشلل . 
(27) كَرابيت خاجو (1903- 2005) : موسيقار ومغنّي أرمني / كردي شهير. فقد أهله في مذابح 1915 ونجا وعاش مع الكرد قرابة 60سنة.. 
(28) هاكوب كَويومجيان (1904- 1961) : شاعر وكاتب . تعرّض للتهجير والتشرّد ، وهاجر في 1922 إلى أمريكا ، حيث عمل وعاش حتى وفاته . 
(29) نيكوغوس سارافيان (1905- 1972) شاعر وكاتب . تشرّد أثناء المذابح ، ثمّ هرب إلى فارنا ، وهاجر عن طريق رومانيا إلى فرنسا ، حيث عمل وعاش حتى وفاته.
(30) ليون زافن سيورمليان (1905- 1995) : شاعر ، كاتب ومترجم . فقد والديه خلال المجزرة ، وعاش فترة مختفياً ، ثمّ في المياتم ، ومن ثمّ هاجر إلى أمريكا، حيث عمل أستاذاً في جامعة كاليفورنيا... 
(31) ميساك مانوشيان (1906- 1944) : شاعر، صحافي ومناضل شهير ضد الفاشيّة . بعد مقتل والدية في مجزرة 1915 أنقذته عائلة كرديّة وهرّبته إلى سوريا، حيث عاش في مياتم سوريا ولبنان ، ثمّ هاجر في سنة 1925 إلى فرنسا واستشهد في مقاومة النازيّة.
(32) فاهيه فاهيان (1907- 1999) : شاعر ، صحافي وأستاذ أكاديمي عمل مدرّساً في بيروت وقبرص. إسمه الأصلي (سركيس آبداليان) ، هُجّرت عائلته في 1915 واستقرّت في حلب سنة 1920 
(33) مسروب جاناشيان (1908- 1974) : شاعر ، كاتب وصحافي . تشرّد وهاجر إإلى فينيسيا ، حيث درس الفلسفة واللاهوت ، ثمّ الأدب التطبيقي في جامعة السوربون بباريس .
(34) آ. سيما (1910- 1940) : شاعر، صحافي ومناضل ضد الفاشيّة . هجّرت عائلته في مجزرة 1915وعاش في ميتم بأستانبول ، ثمّ هاجر مع شقيقته الشاعرة والكاتبة ماري آتماجيان في 1925 ومن ثمّ إلى فرنسا ، حيث عاش واستشهد خلال القتال ضد الجيش النازي .
(35) خاجيك داشتينتس (1910- 1974) : شاعر وكاتب . فقد أهله ، ونشأ في ميتم وعاش في أرمينيا.
(36) آرامايس سرابيان (1910- 1985) شاعر. فقد أبويه خلال المجزرة ، وعاش في ميتم ، ثمّ هاجر إلى إيطاليا ، حيث درس الطب وتخرج وعمل وعاش حتى وفاته.
(37) سيمون سيمونيان (1913- 1986) : قاص ، روائي وكاتب مقالات ودراسات . أصدر مجلة أدبيّة ، ثم جريدة أسبوعيّة ، وأسس مطبعة ودار نشر(سيفان) في بيروت . وكان قد ولد في عينتاب لعائلة مهجّرة من صاصون ، والتجأت عائلته إلى حلب خلال مجازر 1915 
(37) ماري آتماجيان (1913- 1989) : شاعرة وكاتبة مسرحيّة . هُجّرت عائلتها في 1915 وعاشت في ميتم ، ثمّ هاجرت مع أخيها الشاعر آ.سيما إلى سوريا، ثمّ إلى اليونان وأثيوبيا، ومن ثمّ إلى فرنسا في 1929، حيث واصلت مشوارها الثقافي حتى وفاتها.
(38) آندرانيك زاروكَيان (1913- 1989) : شاعر، قاص ، روائي وصحافي . فقد أهله في مجزرة 1915وعاش في ميتم في حلب ، حيث ترعرع ، ومن ثمّ وافته المنيّة في باريس. 
(39) موشيغ ايشغان (1913- 1989) : شاعر ، قاص ومسرحي . تشرّد إثر مجزرة 1915 وعاش في دمشق وقبرص وبيروت ، حيث عمل في التدريس ، ومن ثمّ وافته المنيّة. 
(40) مكَرديج هاجيان (1915- 1984) : شاعر، مترجم ، صحافي ومسرحي . هاجر إلى المكسيك سنة 1960 حيث عاش حتى وفاته.
(41) يوسف عبدالمسيح ثروت (1921- 1994) : مؤلّف ، ناقد فني وأدبي ومترجم . ولد في ديار بكر، وترعرع في العراق ، و وافته المنيّة في بغداد.
(42) فاهاكن دافتيان (1922- 2002) : شاعر ، مسرحي ومترجم . هاجرت عائلته إلى قفقاس الشماليّة.
(43) زاره ملكونيان (1923- ؟!) : شاعر، مسرحي وصحافي . نزحت عائلته إلى حلب ، حيث ولد وترعرع ، ثمّ هاجر إلى بيروت وأكمل دراسته ، وعمل في التدريس.
(44) كَارنيك آدتاريان (1925- 1986) : شاعر وصحافي . ولد في حلب في عائلة نازحة إثر مجزرة 1915 وقد هاجر في 1942 إلى بيروت ، حيث نشط ثقافيّاً حتى وافاه الأجل .
(45) آندرانيك ترزيان (1927- 1952) : شاعر. ولد في حلب من عائلة نازحة.
(46) فاروجان بيديكَيان (1927- 1990) شاعر وأكاديمي . ولد في حلب لعائلة مهجّرة . عاش في قبرص ، حيث عمل أستاذاً في الإقتصاد حتى وفاته .
(47) طوروس طورانيان (1930- ؟!) : ولد في حلب لعائلة مهجّرة : طبيب ، شاعر ، باحث وكاتب .
(48) آرام تيكَران (1934- 2009) : مغني ارمني غنى معظم أغانيه باللغة الكردية و يعد من عمالقة مغنيي و ملحني الموسيقى الكردية الحديثة . ولد في مدينة القامشلي لعائلة مهاجرة من ديار بكر خلال مجازر 1915. ربّاه أبوه وإخوته على فكرة التآخي الأرمني الكردي . وافته المنية في اليونان ، ومنعت السلطات التركية دفنه في ديار بكر حسب وصيته , وكذلك منعت السلطات السورية دفنه في القامشلي مسقط رأسه ! 
(49) نظار نظاريان (1932- 1991) : أديب ، كاتب مسرحي ومترجم سوري . له نحو (15 كتاباً) . ولد في مدينة (كسب) لعائلة مهاجرة خلال مذابح 1915. 
(50) موريال ميراك فايسباخ : صحافيّة ، كاتبة وناشطة مهتمّة بشؤون الأطفال المنكوبين أثناء الحروب ، ولها بهذا الخصوص كتاب (عبر جدار النار..أرمينيا ، العراق ، فلسطين) وهي من عائلة لاجئة إلى أمريكا.
(51) باركيف تسلاكيان : مايسترو وملحّن . من عائلة لاجئة إلى لبنان .

الوحش الطوراني طلعت باشا والبطل الأرمني صوغومون تهليريان

كان طلعت باشا (1874- 15 آذار 1921) وزير الداخليّة في حكومة (الإتحاد والترقّي) في الفترة (1913- 1917) ، ثمّ الصدر الأعظم في الفترة (4شباط 1917- 8 ت1/ 1918) كان عرّاب التخطيط لإبادة الأرمن والمثابر على تنفيذها بحماس منقطع النظير ؛ بإصدار أوامره الصريحة إلى المأمورين لإبادتهم ، وتهديداته بمعاقبة كل موظف يمتنع أو يتهاون في تنفيذ دوره ، قد أصدرت الحكومة التركيّة عقوبة الإعدام على كل من يؤوي الأرمن ، ومعاقبة المواطنين الذين يقدّمون المساعدة للأرمن المهجّرين قسريّاً. وبالفعل صدرت أوامر بتنحية عدد من الولاة والقائمْمَقامين الرافضين لتنفيذ الأوامر التي نصّت على الإبادة ، بينما عيّنت الحكومة ولاةً وموظفين بدائل نفّذوا الأوامر بإخلاص .
ولئن ْ إنتهز الطورانيون فرصة الحرب لإبادة الأرمن ؛ فقد تحجّج العسكريتاريّون من قادة (الإتحاد والترقّي) وأبرزهم : طلعت باشا وزير الداخليّة ، وأنور باشا وزير الحربيّة ، وجمال باشا وزير الأساطيل البحريّة ، تحجّجوا بإخلاء مناطق العمليّات العسكريّة المتاخمة لروسيا القيصريّة بإجلاء الأرمن منها ؛ لحمايتهم ، وقطع تعاون الكثير منهم مع الروس . وكانت أوامرهم تؤكّد بصراحة على التطهير العرقي للأرمن ، وتحث على عدم التعاطف والتساهل معهم ، بلْ عدم الرأفة حتى بالأطفال والنساء والمرضى . 
لقد قال طلعت باشا في الإجتماع السرّي للجنة التنفيذيّة لجمعيّة الإتحاد والترقي في أوائل 1915 :
" يجب إجتثاث الأرمن من جذورهم . يجب ألّا نترك أرمنيّاً واحداً على قيد الحياة في بلادنا . يجب أن نزيل إسم الأرمن من الوجود " 
و(الكتاب الأسود) لـ طلعت باشا أسطع دليل يثبت بالوثائق الدامغة إبادة الطورانيين الترك للأرمن ، وفيما يلي بعض برقيّاته وتصريحاته الجهيرة بإبادة الشعب الأرمني :
{ " إلى والي ديار بكر محمد رشيد باشا: 
أحرقْ - دمّرْ - أقتلْ "
(وزير الدّاخليّة / طلعت ) }

{" إلى والي حلب :
لقد ألغي حقّ الأرمن في العيش في أراضي تركيا إلغاءً تامّاً . والحكومة التي تتحمّل المسؤوليّات بهذا الخصوص قد أمرت بالقضاء على حتّى الأطفال في المهد...."
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 9 أيلول 1915) }

{ " لقد جرى الإبلاغ بأنّ الحكومة قرّرت بناءً على أمر الجمعيّة (الإتحاد والترقّي / المترجم) بإبادة الأرمن الذين يعيشون في تركيا بالكامل . كلّ منْ يخالف هذه الأوامر وهذا القرار ؛ يفقد حقّه في الجنسيّة . يجب إنهاء وجودهم من دون مراعاة النساء والأطفال والمرضى ؛ مهما بلغت وسائل إبادتهم أقصى المأساويّة . يجب عدم الإلتفات إلى مشاعر الضمير " 
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 15 أيلول 1915) }

{ " برقيّة رقم (537) :
بلغنا أن أفراداً من الشعب وبعض الموظفين تزوّجوا نساء أرمنيّات . أنا أمنع ذلك بشدّة ، وأصرّ على التوصيّة بهجر هذا النوع من النساء ، وإرسالهنّ إلى الصّحراء "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 29 أيلول 1915) }

{ " برقيّة رقم (603) :
إلى والي حلب :
بلغنا أن الأطفال الصغار ، الذين يخصّون الأشخاص المعروفين الذين أُرسِلوا من ولايات ومعمورة العزيز و ديار بكر وارضروم ، لأنهم أصبحوا بلا حماية بعد موت أهاليهم ؛ قد جرى تبنّيهم كأيتام أو تشغليهم كخدم من قبل عوائل مسلمة . نحن نفرض عليكم التحرّي عن جميع هؤلاء الأطفال وإرسالهم كلّهم إلى منطقة النفي . وعدا ذلك إعلام السّكّان بهذا الشأن بالوسائل التي ترونها مناسبة " 
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 5 تشرين الثاني 1915) }

{ " من برقيّة مشفّرة إلى والي حلب :
...عليكم انْ تحرصوا عند اقتياد قوافل الأرمن من المدن وأماكن التجمّع بألّا تحدث أشياء ملفتة للأنظار . إنطلاقاً من وجهة نظر السياسة الحاليّة ، أن لمن فائق الأهمّيّة إقناع الأجانب هناك بأن الترحيل لا يهدف إلى أكثر من تبديل محل الإقامة... "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 18 تشرين الثاني 1915) }
×××
{ " برقيّة رقم (691)
إلى والي حلب :
أبيدوا بطرق سرّيّة كلّ أرمني من الولايات الشرقيّة تعثرون عليه في منطقتكم "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 23 تشرين الثاني 1915) }

{ " برقيّة مشفّرة رقم (745) 
إلى والي حلب :
" بلغنا أن بعض مراسلي الصحف المتواجدين في منطقة إدارتكم ، قد جمعوا صوراً فوتوغرافيّة ووثائق تبيّن الوقائع المأساويّة ، وسلّموها إلى القنصل الأمريكي في منطقتكم . يجب أن تعتقلوا هؤلاء الأشخاص الخطيرين وتتخلّصوا منهم "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 11 كانون الأول 1915) }

{ " برقيّة رقم (762) 
" أبلغوا الأرمن الناوين إعتناق الإسلام برغبتهم ؛ للنجاة من النفي العام (إلى الصحراء) بأنه لا يجوز أن يصيروا مسلمين أبداً إلّا في منفاهم "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 17 كانون الأول 1915) }

{ " برقيّة رقم (809) إلى والي حلب :
" بلغنا أنّ ضبّاطاً أجانب صوّروا جثث الأشخاص المعلومين (الأرمن) المرميّة منذ فترة طويلة على الطرقات ؛ فآمركم مصرّاً على دفنها فوراً ، ولا تتركوها مرميّة على الطرقات "
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 29 كانون الأول 1915) }

{ " بحجّة تقديم الإحتياجات لهم من قِبَل إدارة التهجير، دون إثارة الشكوك ؛ جرى بأوامر من وزارة الدفاع بواسطة قيادات المناطق العسكريّة ، تجميع أطفال الأشخاص المعلومين (الأرمن) مهم جماهير السّكّان وتبيدهم . نحن ننتظر ردّكم " 
(وزير الدّاخليّة / طلعت في 7 آذار 1916) }

" نحن نُلام بأنّنا لا نفرّق بين الأبرياء والمجرمين من الأرمن ، لكنّ ذلك غير ممكن ؛ لأنّ أولئك الأبرياء اليوم يمكن أنْ يكونوا مجرمين غداً"
(وزير الدّاخليّة / طلعت باشا)

فلا عجب أنْ يتباهى طلعت باشا (عرّاب الإبادة) لاحقاً :
" لقد فعلت في يوم واحد من أجل حلّ المسألة الأرمنية أكثر ممّا فعله عبد الحميد خلال 30 سنة "

البطل الأرمني صوغومون تهليريان
صوغومون تهليريان (2نيسان1896- 23مايس1960) فدائي أرمني عضو (كوماندوس العدالة والثأر) من عائلة بطش الطورانيّون الترك بأفرادها كافّة ؛ فقرّر الإنتقام واغتال طلعت باشا في 15 آذار 1921 في برلين . وبرغم اعترافه الصريح الجهير ؛ قرّرت هيأة المحلّفين براءته وأصدرت المحكمة حكماً بإطلاق سراحه ؛ فأثار ذلك ضجّة إعلاميّة وسياسيّة كبيرة في ألمانيا وغيرها من دول أوربا وأمريكا والشرق . 

و هكذا تجاوزت الواقعة المحكمة الجنائيّة في برلين ؛ لتستحيل واحدة من كبريات المحاكمات السياسيّة في التاريخ الحديث ؛ حيث أفلح فريق الدفاع عن تهليريان أن يحوّل محاكمته إلى محاكمة مجرمي إبادة الأرمن عبر المسؤول الأول عنها ، ألا وهو وزير الداخليّة طلعت باشا ؛ فقد أكّد تهليريان خلال جلسات المحاكمة أن الرعاع الترك من أهل أرزنجان شاركوا الجنود الترك والجندرمة في المجزرة ، ولم يشاهد أيّ كردي بزي رسمي أو بدونه ، أمّا كيف نجا من المذبحة وهو جريح ؛ فأفاد أن إمرأة كرديّة مسنّة آوته شهرين في منطقة ديرسيم ، ثمّ نصحه الكرد الطيّبون بالذهاب إلى إيران ، ودبّروا له ملابس كرديّة وبعض النقود ، في حين كانت الأوامر تقضي بإعدام كل من يؤوي الأرمن ! 
ولئن كان الإعلام التركي يروّج المزاعم والشائعات عن عداء الشعب الكردي للشعب الأرمني واشتراك أبنائه في مذابح الأرمن ؛ فقد طرح أحد القضاة السّؤال الآتي على تهليريان :
- " ما رأيك بالكرد ؟
فأجاب :
- الكرد شعب كالأرمن فيهم طيّبون وفيهم سيّئون "
ولقد دافع الشهود الأرمن والألمان عن الكرد ، وفشلت محاولات الحاقدين المتخرّصين في دق الإسفين بين الشعبين المتعايشين منذ أقدم العصور.
وهنا تجدر الإشارة إلى أبطال أرمن آخرين غيارى ثأروا لشعبهم المظلوم ؛ فقد قتل أرشاوير شيراكيان وآرام يركانيان المجرمين بهاء الدين شاكر وجمال عزمي في 7نيسان1922 ، وقتل بدروس ديربوغوصيان وارداشيس كيفوركيان وستيبان زاغيكيان المجرم جمال باشا في21تمّوز 1922 ، وقُتل المجرم سعيد حليم باشا في 8 ك1/ 1921 والمجرم أنور باشا في 4آب 1922

المصدر 

اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك:

الاثنين، 4 سبتمبر 2017

أسلاف الكورد السومريين





د. مهدي كاكه يي
جميع المؤرخين وعلماء الآثار والباحثين يتفقون على أن السومريين كانوا من الأقوام غير السامية. يذكر العلامة طه باقر في مقدمة كتاب “من ألواح سومر” للمؤرخ صمويل كريمر (Samuel Noah Kramer) الذي قام بترجمته الى اللغة العربية في صفحة 8 ما يلي: وجلّ ما يمكن قوله بهذا الصدد أن مَن نُسمّيهم بالسومريين في تاريخ وادي الرافدَين، كانوا قوماً ليسوا من الأقوام السامية (الأقوام السامية هي تلك الأقوام التي تكلمتْ بإحدى اللغات السامية كالأكدية والبابلية في العراق والأمورية والكنعانية والآرامية والعبرانية في ربوع الشام والجزيرة العربية)، بل أن لغتهم هي من اللغات غير السامية.
فيستطرد المؤرخ طه باقر في حديثه بأن الباحث الإيرلندي “هنكس” يقول بأن الخط المسماري أوجده قوم غير ساميين، بل أن هذا القوم سبق البابليين الساميين في إستيطان وادي الرافدَين. نشر الباحث الإنكليزي الشهير “هنري رولنسون” بحثاً في عام 1855 في مجلة “الجمعية الآسيوية الملكية” يذكر فيه بأنه إكتشف كتابةً جديدةً بلُغةٍ غير سامية وجدها مدوّنة في الآجر وفي ألواح الطين في بعض المواقع القديمة في بلاد ما بين النهرَين، مثل “نفر” و”لارسا” و”الوركاء”. في عام 1856، ذكر الباحث الإيرلندي “هنكس” بأن هذه اللغة الجديدة هي من نوع اللغات الإلتصاقية وفي عام 1869 أطلق الباحث الفرنسي “أوبرت Oppert” على هذه اللغة الجديدة “اللغة السومرية” لأول مرة.
بدأ العصر الذي سبق العهد السومري على هيئة حضارة قروية زراعية أدخلها “الإيرانيون” من الشرق (أسلاف الكورد الزاگروسيين) الى جنوب العراق (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، 1970، صفحة 356). هذا القول يؤكده المؤرخ البروفيسور “سبايزر Speisere” في صفحة 99 من كتابه المعنون “شعوب ما بين النهرين”، حيث يقول بأن العناصر الگوتية (أسلاف الكورد) كانت موجودة في جنوب العراق قبل تأسيس سومر وأسسوا بلاد سومر فيما بعد وشكلوا الحكومات فيها.
يذكر كل من الأستاذ طه باقر والدكتور عامر سليمان بأنه عند هجرة الأكديين الى شمال وادي الرافدين (جنوب كوردستان الحالية) في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، كان السومريون و السوباريون يعيشون هناك وكانت المنطقة تُسمى ب”سوبارتو”. يضيف المؤرخان المذكوران بأنه جاء ذكر السوباريين في النصوص المسمارية منذ عصر فجر السلالات (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 120، 476؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 119). من هنا نرى أن الموطن الأصلي للسومريين هو كوردستان وأنهم من أقوام جبال زاگروس التي هي الموطن الأصلي للكورد وأن السومريين هاجروا من كوردستان الى جنوب بلاد ما بين النهرَين وبنوا حضارة راقية هناك.
يذكر كل من الدكتور عبدالعزيز صالح في صفحة 448 من كتابه (الشرق الأدنى القديم –مصر والعراق، الجزء الأول، القاهرة، 1976م) والدكتور محمد بيومي مهران في كتابه المعنون (تاريخ العراق القديم، الاسكندرية، 1990، صفحة 90) والدكتور إبراهيم الفني في صفحة 319 من كتابه المعنون (التوراة) المنشور من قِبل (دار اليازوري للنشر والتوزيع) في العاصمة الأردنية، عمّان في عام 2009، بأن الموطن الأصلي للسومريين هو جبال زاگروس الكوردستانية.
في بعض مدن شمال بلاد ما بين النهرَين مثل مدينة آشور ونينوى، تم إكتشاف آثار للحضارة السومرية التي تعود لعصر فجر السلالات ولا سيما الفترة الأخيرة منه (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 177). إكتشاف آثار سومرية في شمال بلاد ما بين النهرَين (كوردستان) يؤكد على أن كوردستان هي الموطن الأصلي للسومريين وأن السوباريين والسومريين عاشوا معاً هناك. هذا دليل مادي على كون كوردستان الموطن الأصلي للسومريين ولا مكان فيه لأية إجتهادات أو تحليلات.
يذكر عالم الآثار الدكتور بهنام أبو الصوف في إطروحته التي نال عليها شهادة الدكتوراه من جامعة كامبرج البريطانية في عام 1966، بأن السومريين لم يأتوا من خارج بلاد ما بين النهرَين، بل كانوا في منطقة سوبارتو وأن هذا الشعب في زمنٍ ما إنتقل الى الجنوب ونقل معه حضارته. ما يدعم كلام عالم الآثار بهنام أبو الصوف هو أن إنشاء حضارة زراعية متطورة وإختراع الكتابة من قِبل السومريين، يدلّان على أنهم كانوا يمتلكون أسس حضارية متقدمة قبل إنتقالهم الى جنوب بلاد ما بين النهرَين. هذا يدل على أن السومريين كانوا جزءً من أسلاف الكورد الزاگروسيين الذين إنتقلوا من كوردستان الى جنوب العراق الحالي، حيث أنّ أسلاف الكورد الزاگروسيين هم أول مَن قاموا ببناء الحضارة البشرية في المنطقة وأن باكورة الحضارة ظهرت على أرض كوردستان.
الآثار القديمة التي تم إكتشافها في كوردستان تثبت بأن كوردستان هي مهد الحضارة البشرية الأولى، حيث يذكر العالم الأمريكي البروفيسور (روبرت جون بريدوود) بأنه تمّ الإنتقال من حياة الصيد الى حياة الزراعة في كوردستان في حوالي عام 6000 – 10000 قبل الميلاد. كما أنه يضيف بأن الشعب الكوردي كان من أوائل الشعوب التي طوّرت الزراعة والصناعة ومن أوائل الشعوب التي تركت الكهوف لتعيش في منازل بها أدوات منزلية متطورة للإستعمال اليومي وأن الزراعة وتطوير المحاصيل قد وجدتا في كوردستان منذ (12) ألف سنة والتي إنتشرت منها إلى جنوب بلاد ما بين النهرَين، ثم إلى غرب الأناضول، ثم إلى الهضبة الإيرانية، ووصلت منذ ثمانية آلاف سنة إلى شمال أفريقيا ثم أوروبا و الهند. يضيف هذا العالم الأمريكي بأن الكثير من المحاصيل التي نعرفها الآن، كالقمح والذرة والشعير، قد إنطلقت من كوردستان. حول الصناعة، يؤكد البروفيسور (روبرت جون بريدوود) بأن الموقع الآثاري “چيانو” الواقع في شمال كوردستان يمكن أن يُطلق عليه إسم أقدم مدينة صناعية في العالم، حيث يُستخرج منه النحاس إلى يومنا هذا، كما عُثر فيه على صلصال دُوّن عليه التبادل التجاري. هذا يُشير الى أن السومريين المتحضرين كانوا من أحفاد الزاگروسيين الذين إبتكروا الزراعة والصناعة، حيث تعلموا الحضارة وأخذوا الخبرات من أسلافهم الزاگروسيين.
يكشف بعض الأدبيات السومرية عن أصل السومريين. على سبيل المثال، إحدى أساطير الخلق السومرية المعنونة “قصيدة المعول” التي تعود جذورها إلى بدايات إبتكار الزراعة في كوردستان، حيث تقول القصيدة المذكورة بأن الإِله (انليل) بعد أن (أسرع بفصل السماء عن الأرض، عمل على خلق الإنسان الأول، فحفرَ شقاً في الأرض… ووضع بدايات البشرية في الشق، وعندما بدأ البشر بالظهور كالحشيش، كان انليل ينظر مرتاحاً إلى شعبه السومري). في الفقرة الأخيرة من هذه القصيدة، يكشف السومريون بوضوح عن أصلهم الزاگروسي، وأنهم أحفاد أُولئك الأسلاف الذين إبتكروا الزراعة في كوردستان وبنوا أقدم القرى الزراعية في العالم.
الكتابات السومرية تُخبرنا بأن موطن الآلهة (دلمون) هو المكان الذي يمنح السعادة الأبدية للإنسان بعد موته، ولهذا السبب كان السومريون يدفنون أفراد العائلة المالكة في هذه المنطقة عند وفاتهم تكريماً لهم للخدمات الجليلة التي يقدمونها للآلهة خلال حياتهم، حيث أن (دلمون) كانت فردوس السومريين.
يذكر الدكتور مؤيد عبدالستار في مقاله القّيم المعنون ( دلمون أرض السعادة السومرية … من جبال زاگروس الى البحرين) بأن الباحث (ديفد رول)، في هامش رقم 1 في صفحة 241 من دراسته المعنونة (Legend) (مصدر رقم 2) يشير الى دراسة الباحث الكبير صموئيل نوح كريمر المنشورة في مجلة المدارس الأمريكية للبحوث الشرقية عدد ديسمبر/كانون الأول عام 1944 والمعنونة “دلمون أرض الأحياء”، حيث أن كريمر يستنتج من خلال نتائج بحثه المذكور بأن منطقة (دلمون) تقع جنوب غرب ايران (جبال زاگروس) (مصدر رقم 3). يستطرد الدكتور مؤيد عبدالستار في مقاله المذكور بأنه يتم ذكر (دلمون) بإسمها (جبل دلمون Akk Kur – Dilmun) وهذا يدل على أن (دلمون) هي منطقة جبلية. كما هو معروف، فأن كوردستان هي المنطقة الجبلية الوحيدة في بلاد ما بين النهرَين. الملاحم السومرية تذكر أيضاً بأن منطقة (دلمون) تقع عند مشرق الشمس، وهذا يشير الى أن موطن الآلهة السومرية (دلمون) موجود في جبال زاگروس المُشرفة على سهول بلاد ما بين النهرَين. يضيف الدكتور مؤيد بأنه في شرق كوردستان، توجد قرية صغيرة تقع بين بحيرة أورمية ونهر ميدان تُدعى (دلمان Dilman) و التي قد تكون لها علاقة بمنطقة (دلمون) السومرية.
هناك الكثير من الكلمات السومرية التي لا تزال حيّة في اللغة الكوردية وتشكّل قسماً كبيراً من مفردات اللغة الكوردية، رغم الفاصل الزمني الكبير الذي يبلغ آلاف السنين الذي يفصل بين اللغتين والتغييرات التي مرت على اللغة الكوردية خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة.
“ملحمة كلگامیش” ترتبط تسميتها بوضوح ببطل الملحمة الذي يتشبه بالجاموس ويتكرر إسم الجاموس لمرّات عديدة في الملحمة، حيث أنّ “كلگامیش” قام بصرع وقتل الجاموس (گامیش) السماوي وأنه من المرجح أن يكون إكتسابه لإسمه هذا متأتياً لهذا السبب بإضافة “كَل” الى “گامیش” ليصبح “كلگامیش”. هكذا نرى بأنّ إسم الملحمة نفسها هو إسم كوردي خالص، يتألف من ثلاث كلمات هي “كَل” التي تعني “فحل” وكلمة “كَا” التي تعني “ثور” وكلمة “ميش” التي تعني “حيوان”. وبدمج كلمة “كَا” و”ميش” تنتج لنا الكلمة المركبة “گاميش” التي تعني في اللغة الكوردية “الجاموس” وبذلك يعني إسم الملحمة “فحل الجاموس”. بينما يُسمّي الكورد “البقرة” ب”مانگا” أي “أنثى الثور”. إنّ إختيار السومريين للجاموس ليكون رمزاً لهم، يعكس بوضوح تأثرهم ببيئة الأهوار التي كانوا يعيشون فيها، حيث إشتهرت بلاد سومر بكثرة الجاموس فيها والتي لا تزال الى يومنا تشتهر المنطقة بتربية هذا الحيوان. العرب إقتبسوا مفردة “جاموس” من المفردة السومرية “گامیش” وقاموا بتحويرها لتتلاءم مع النطق العربي.
من جهة أخرى، لو ننظر الى أبطال ملحمة “كلگامیش”، نرى أن الآشخاص البارزين في الملحمة يحملون أسماء كوردية. “أورشنابي”، الذي يساعد “كلگامیش” في بحثه عن سرّ الخلود، إسمه يعني ال(ملاّح). الى الوقت الحاضر يستعمل الكورد مفردة “شناو” التي تعني “السباحة”. “أوتناوپشتم” هو إسم جد “كلگامیش” والذي عنده سر الخلود. هذا الإسم يعني “الذين أتوا من بعدي” ومضمون معناه هو “الخلود”. في اللغة الكوردية يُقال “هاتنوپشتم” الذي يعني أيضاً “الذين أتوا من بعدي” والعبارة هذه، كما نرى، هي نفسها في اللغة السومرية و الكوردية.
إن تركيبة اللغة السومرية والكوردية متشابهة، حيث أن كلاهما لغتان إلتصاقيتان، يتم فيهما تركيب كلمات مركبة من كلمتَين أو أكثر من الكلمات البسيطة. من جانبٍ آخر فأن اللغة الكوردية لا تزال تحتفظ بكثير من الكلمات السومرية رغم مرور آلاف السنين على إنقراض اللغة السومرية، لدرجةٍ أن إسم بلاد سومر لا يزال باقياً في اللغة الكوردية ويُعطي نفس المعنى، حيث أن إسم بلاد سومر باللغة السومرية الذي تتم كتابته بالخط المسماري، هو (كي إن جي Ki -en –gi)، الذي يعني “البلاد السيدة” (عامر سليمان، وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، 1978، صفحة 25). هذا الإسم في اللغة الكوردية يعني “مكان أو بلاد سادة الأرض”.
قام السومريون ببناء معابدهم على أماكن مرتفعة شبيهة بالجبل (زَقُورة) ورسموا الأشجار والحيوانات الجبلية كالوعل والماعز على الأختام الأسطوانية التي كانوا يصنعونها (سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري. مطبعة الجامعة، بغداد، 1975، صفحة 42، 82؛ فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة. سينا للنشر، القاهرة، 1996، صفحة 22). كل هذا يدلّ على الأصل الجبلي للسومريين، حيث كانت جبال زاگروس الموطن الأصلي لهم. كما أن هناك مشتركات كثيرة في العقائد بين السومريين و الكورد.
كما أن تأسيس السومريين لممالك المدن يرتبط بِخلفتيهم الجبلية، حيث أن الطبيعة الجبلية تعزل السكان عن بعضها بسبب الحواجز الجبلية الطبيعية التي تجعل سكان كل منطقة معزولين عن البعض و يُشكّلون مجتمعاً شبه مستقل، يدير أمور حياته بِنفسه. هكذا فأن هذه الثقافة الجبلية إنتقلت مع السومريين عندما هاجروا من كوردستان الى جنوب بلاد ما بين النهرَين وإحتفظ سكان كل منطقة في كوردستان بإستقلاليتهم بعد الإنتقال الى جنوب بلاد ما بين النهرين و أسست كل مجموعة سكانية، التي كانت تعيش معاً في كوردستان ضمن جغرافية متصلة، مملكة مستقلة لنفسها في موطنها الجديد. من الجدير بالذكر أن عزل الطبيعة الجبلية لسكان كوردستان عن بعضها هو أحد أهم الأسباب التي أدت الى عدم إتحاد الشعب الكوردي وفقدانه لقيادة سياسية موحدة وبالتالي تأسيس كيان سياسي مستقل لنفسه. كما أنه أيضاً أحد الأسباب الرئيسية في رسم شخصية كوردية تعشق الحرية والإستقلالية و ترفض أن تأتمر من قِبل قيادات حزبية و سياسية.
يعتقد بعض المؤرخين بأن السوباريين والسومريين ينتمون الى أصل واحد وأنهم مرتبطون مع البعض بصلة القرابة أو على الأقل أنهما كانا يعيشان معاً في شمال بلاد ما بين النهرَين قبل إنتقال السومريين الى جنوب بلاد ما بين النَهرَين وإستقرارهم هناك (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198). يذكر الدكتور نعيم فرح في كتابه المذكور أيضاً بأن السوباريين والسومريين ينحدرون من الگوتيين (أسلاف الكورد) الذين كان موطنهم سلسلة جبال زاگروس. إن أسماء كثير من المدن السومرية هي ليست أسماء سومرية، بل سوبارية، أمثال مدن: أور، أريدو، أوروك، سِپار، لارْسا، لَگَش، وكذلك قد تكون المفردات المشتركة بين اللغتين السوبارية والسومرية هي مفردات سوبارية، مثل كلمة “باتيس – باتيز” التي تعني “الملِك” (الدكتور سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، منشورات الجمعية التاريخية العراقية، بغداد، 1975). هذا يدعم الرأي القائل بوجود صلة القرابة بين السوباريين والسومريين.
مرّ عصر الممالك السومرية بثلاث أدوار. دور فجر السلالات الأول (2900/2800-2700 قبل الميلاد)، حيث أن هذا الدور يمثل المرحلة الأخيرة من أطوار العصر الشبيه بالكتابي و ضمَّ طور الوركاء وجمدة نصر. دور فجر السلالات الثاني (2700-2550 قبل الميلاد)، في هذا الدور تكاملت الكتابة المسمارية وتم إستخدامها وظهر التدوين الرسمي وتم أيضاً تأسيس ممالك مستقلة في المدن. دور فجر السلالات الثالث (2550- 2334)، في هذا الدور وصلت الحضارة السومرية في أور الى أعلى مراحل إزدهارها ونضجها. سلالة الوركاء الأولى هي من السلالات الشهيرة في دور فجر السلالات الثالث، حيث إشتهرت بملكها الخامس “كلكامش” (حوالي 2700 قبل الميلاد) الذي هو بطل ملحمة كلكامش الشهيرة. كما ظهر في هذا الدور كلّ من سلالة (لكش) و(أوما) اللتين كانتا في صراع مرير، إستمر لحوالي مائة عام (فاضل عبدالواحد علي. العراق في التاريخ – السومريون والاكديون – بغداد، 1983، صفحة 66 – 67؛ مصدر رقم 4).
يقول الأستاذ طه باقر في مقدمته لكتاب صمويل كريمر والذي ترجمه الى العربية، بأن السومريين على ماهو مجمع عليه، المؤسسون الأوائل لمقومات الحضارة والعمران ومنهم إقتبس الساميون في بلاد ما بين النهرين أصول حضارتهم ولا يقتصر تراثهم الثقافي بكونه أساس حضارة وادي الرافدَين، بل أنهم أثرّوا في جميع شعوب الشرق الأدنى ويتجلى ذلك في مجالات عديدة، حيث أن السومريين كانوا أول مَن أوجد وطوّر الكتابة التي عُرفت بعدئذٍ بالخط المسماري وهو الخط الذي إقتبسه معظم شعوب الشرق الأدنى القديم (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، 1970، صفحة 9-13).
تميّز السومريون بالإبداع في الحضارة المادية كأسس العمارة والفنون والنظم الإجتماعية والسياسية والى غير ذلك من مقومات الحضارة التي أثرّت بشكل كبير في تقدم شعوب الشرق الأدنى. كما أن السومريين أوجدوا آراءً و تصورات و أفكاراً في الديانة وفي المجالات الروحية والعقلية الأخرى، وأن الكثير منها دخلَ الى معتقدات الديانة اليهودية والمسيحية وإنتقل الكثير منها الى الحضارة الحديثة. أنتج السومريون نتاجاً أدبياَ أصيلاً الذي كان معظمه شعراً وكان تأثيره عميقاً في الأقوام القديمة وإستمر تأثيره الى الحضارة الحاضرة.
إبتكر السومريون الكتابة في جنوب بلاد ما بين النهرَين في حوالي عام 3000 قبل الميلاد وبذلك بدأ عصر التدوين الذي من خلاله إستطاع الباحثون الإطلاع على الحضارة السومرية والحضارات التي تلت هذه الحضارة.
أهم الأعمال التي قام بها السومريون هي إختراعهم للكتابة والأرقام وإبتكارهم للمدن. السومريون هم أول مَن إخترعوا الكتابة والأرقام والتي أخذتها الأقوام الأخرى منهم، حيث أننا لو تصفحنا الكتب الغربية التي تدرس تأريخ تطور اللغات والأرقام في العالم، لنرى أنها تذكر ذلك وتؤكد عليه. السومريون بنوا حضارة متقدمة، حيث طوروا الزراعة والري وإخترعوا المحراث والدولاب والعربة ومخرطة الخزف والقارب الشراعي والبرمشمة واللحام والدهان وصياغة الذهب والترصيع بالأحجار الكريمة وعمارة القرميد العادي والمشوي وإنشاء الصروح وإستعمال الذهب والفضة في تقويم السلع وإبتكروا العقود التجارية ونظام الإئتمان ووضعوا كتب القوانين، وهم أول من إبتكروا الطابوق كوحدة معمارية مصنعة بدل الحجر.
يُحدّثنا التأريخ أيضاً بأن السومريين تمسكوا بالحق والعدالة والحرية الشخصية وكرهوا الظلم والعنف، حيث وضعوا القوانين لتنظيم حياتهم على ضوء هذه المبادئ الإنسانية.
برع السومريون في علوم الموسيقى، حيث أن التنقيبات الأثرية في مدفن زوجة ملك أور، الملكة شبعاد، التي قام بها علماء الآثار البريطانيون في عام 1918، قادت الى العثور على مجموعة من العازفين مع 11 قيثارة، إضافة لقيثارة كبيرة مكونة من 30 وتراً وهي القيثارة السومرية. الحضارات اللاحقة قد أخذت معظم العلوم ومنها الموسيقى من الزقورات (أماكن العبادة)، (زقورة أور وزقورة دوركاريكالزو) الواقعة غرب بغداد وكانت زقورات وادي الرافدين قُبلة لأنظار الناس ومنها إستلهم المصريون أهراماتهم وهياكلهم الأولى (ب. ليرخ: دراسات حول الأكراد وأسلافهم الخالديين الشماليين. ترجمة الدكتور عبدي حاجي، 1992).
تشتهر مقبرة أور الملكية بآثارها النفيسة، حيث يعود معظم هذه القبور إلى عصر فجر السلالات الثالث. تم إكتشاف أكثر من 2500 مقبرة، وأن 16 مقبرة على الأقل من هذه المقابر هي مقابر جماعية، دُفنت فيها أفراد العائلات السومرية المالكة، حيث كان يتم دفنهم في مقابر جماعية مع حاشيتهم وأتباعهم ومتاعهم وأثاثهم (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 277 – 283، فاضل عبد الواحد علي، من الواح سومر الى التوراة. بغداد، 1989، صفحة 74- 77).
كما تم إكتشاف مقابر جماعية تعود لأسلاف الكورد، الكيشيين و في مدينة “نوزي” (مدينة كركوك الحالية) تم أيضاً إكتشاف مقابر جماعية تعود للخوريين وكذلك في مدينة ماري التي تبعد حوالي 11 كيلومتراً عن بلدة البوكمال الواقعة في سوريا الحالية (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 283 – 285).
أنشأ السومريون ممالك (ممالك المدن)، حيث كان كل مملكة تتألف من مدينة واحدة، مؤلفة من مركز المدينة وضواحيها من حقول وبساتين تابعة لها (جورج رو: العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986م، صفحة 181 – 182). كانت الممالك السومرية مستقلة عن بعضها ولكل مملكة (مدينة) حاكمها وإلهه الخاص بها وتعاقبت على حكمها سلالات كثيرة وكانت تتميز العلاقات بين الممالك السومرية بالعداء والنزاعات والحروب (عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 139).
قام السومريون ببناء العديد من المدن التي كان كل مدينة منها عبارة عن مملكة سومرية مستقلة. من المدن السومرية هي (أوروك) التي تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات وتبعد بحوالي 30 كيلومتر عن شرق مدينة السماوة، ومدينة (لگش) التي تقع في جنوب مدينة قلعة سكر العراقية، و(أور) و(اريدو) الواقعتان في جنوب غرب مدينة الناصرية في جنوب العراق و( لارسا) التي تقع شمال غرب مدينة الناصرية العراقية و(أوما) الواقعة في جنوب غرب مدينة قلعة سكر في العراق ومدينة (شروباك) التي تقع في شمال مدينة (أوروك)، حيث أنه خلال التنقيبات التي أُجريت هناك في عام 1902 ــ 1903، تم إكتشاف عدد كبير من الألواح المدرسية التي تعود للعصر السومري والتي كان يتم فيها تدريس تلاميذ المدارس، ومدينة (إيسن) التي تقع في جنوب شرق مدينة الديوانية العراقية، ومدينة (ادب) التي تقع في شمال غرب مدينة (أوما)، ومدينة (نيبور) الواقعة في شرق مدينة الديوانية، ومدينة (اكشاك) التي يقع موقعها في المدائن التي تقع جنوب شرق العاصمة بغداد، ومدينة (كيش) التي تقع آثارها في محافظة بابل و كانت إحدى المدن الرئيسية للسومريين، حيث أن الأساطير السومرية تُخبرنا بأنها أول مدينة يحكمها ملِك بعد الطوفان الكبير الذي تم ذكره في الأساطير السومرية وفي الديانة اليهودية و المسيحية والإسلامية، ومدينة (سيبار) التي تقع على الضفة الشرقية من الفرات، حوالي 60 كيلومتر شمال بابل، ومدينة (شوروباك) التي تقع على نهر الفرات، حوالي 225 كيلومتر جنوب شرق مدينة الناصرية، في هذه المدينة السومرية تم إكتشاف أول تقويم زراعي، يضم عدداً من الوصايا والتعليمات الزراعية الخاصة بتهيئة الحقل وبموسم البذار والري والحصاد وضعها فلاح سومري لإبنه على رُقيم من طين يحوي 35 فقرة (ليو اوينهايم: بلاد ما بين النهرَين. ترجمة وتحقيق سعدي فيضي عبدالرزاق، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1981، صفحة 463 – 512؛ نيكولاس بوستگيت: حضارة العراق وآثاره – تاريخ مصور، ترجمة سمير عبد الرحيم الجلبي، بغداد، دار المأمون للترجمة والنشر، 1991، صفحة 125- 142).


المصادر
1. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.

2. Rohl, David M. LEGEND Volume: 2, London, 1999, pp.237.
3. Kramer, Samuel Noah (1944). Dilmun, the Land of the Living. Bulletin of the American Schools of Oriental Research.
4. Hallo, William W. (1957). Early Mesopotamian Royal Titles. New Haven, CT: American Oriental Society, pp 35 -50

اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك:

الجمعة، 9 يونيو 2017

الدين الهَلاوي (العلوي) هو إمتداد للديانة اليَزدانية (المثرائية)

الدين الهَلاوي (العلوي) هو إمتداد للديانة اليَزدانية (المثرائية)

د. مهدي كاكه يي
قديماً، كان يُطلق على العلويين إسم (النصيرية) نسبة الى مُجدّد الدين العلوي، محمد بن نصير الذي عاش حوالي سنة 850 ميلادية. ولِد محمد بن نصير في البصرة وقضى معظم حياته في بغداد وكانت مدينة سامراء مركزاً لنشاطاته الدينية. يذكر البعض بأنه من أصل فارسي، إلا أن كوردية الديانة العلوية تٌرجّح كونه كوردياً، حيث أن الغالبية العظمى من المؤرخين العرب يُرجعون أصول الشخصيات الكوردية الى الفرس.
ظلت تسمية (النصيرية) تُطلق على العلويين الى أن تمّ إطلاق إسم (العلويون) عليهم من قِبل الأتراك في زمن الإمبراطورية العثمانية، حيث يذكر البروفيسور جمال نبز في كتابه المعنون "المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994"، بأن أصل كلمة "علوي" يعود الى الكلمة الكوردية (هَلاڤ HALLAV) التي تعني بالكوردية (بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة) وكذلك (لظى النار) نفسها. الأتراك أخذوا هذه الكلمة الكوردية وأضافوها الى لغتهم وحوّروها الى (ALEV) والتي تعطي نفس المعنى. هكذا أطلق الأتراك في زمن الإمبرطورية العثمانية إسم (ALEVî) على هذا الدين والذي تمّ تحويره من قِبل العرب الى (علوي). كلمة (هَلاڤ) لها علاقة بالنار التي هي مقدسة في المثرائية المتجسدة في الديانة اليزدانية والتي الديانة العلوية هي فرع لها. مما سبق نستنتج بأن إسم الدين العلوي هو إسم كوردي خالص وليس له أية علاقة بِعلي بن أبي طالب، بل مرتبط بالنار المقدسة عند اليزدانيين.
بسبب عدم تعمّق الكثير من الباحثين والمؤرخين في الأديان القديمة، فأن "دراساتهم" سطحية، عاجزة عن الوصول الى الحقائق. على سبيل المثال، فأن الغالبية العظمى منهم يعتبرون (محمد بن نصير) هو مؤسس الدين أو "المذهب" العلوي، دون أن يدركوا بأن الدين العلوي، مثل سواه من الأديان الآرية القديمة، يتمّ تجديده بإستمرار وفي كل مرة يتقمص الإله في شخص ما ويقوم هذا الشخص بِتجديد الدين. في الدين العلوي، فأنّ (محمد بن نصير) إمتلك الذات الإلهية وقام بتجديد الدين العلوي وفقاً لظروف ذلك الزمن، بينما في الدين اليارساني قام (سان سهاك) بِآخر تجديد لهذا الدين.
إن جميع الكُتب والدراسات التي يدّعي فيها أصحابها بأن العلويين هم طائفة إسلامية، هي عبارة عن "دراسات" غير موضوعية ومنحازة. إنحياز وعدم تمسك القائمين بهذه الدراسات بالمهنية البحثية ناتج عن أربع أسباب رئيسة:
1. قسم من الدارسين لجذور المعتقد العلوي يميلون الى الفكر الإسلامي ومنحازون الى هذا الفكر، لذلك يحاولون تزييف الحقائق وفرض الهوية الإسلامية على العلويين.
2. قسمٌ ثانٍ من الدارسين يحملون الفكر العروبي ويلجأون الى كل الطرق الملتوية ليُثبتوا إسلام العلويين، حيث أن الإسلام والعروبة وجهان لعُملة واحدة. كما أن الهوية الإيزدية تتعرض أيضاً للتزوير من قِبل الكُتّاب الإسلاميين والعروبيين ويحاولون بمختلف الوسائل أن يُرجعوا أصلهم الى يزيد بن معاوية، أي بكلام آخر يحاولون أسلمتهم وتعريبهم.
لو ندرس تأريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط الكبير لَنكتشف بأن الغالبية العظمى من السوريين واللبنانيين وغيرهم من شعوب المنطقة، هم مستعربون وليسوا عرباً، حيث أنهم من أصول كلدانية وآشورية وسريانية وأرمنية وكوردية. السكان في مصر هم من الأقباط وسكان السودان نوبيون و سكان شمال أفريقيا هم أمازيغ، حيث فرض العروبيون إسم "المغرب العربي" على بلاد (ثامزغا).
3. القسم الثالث من الباحثين يقومون بدراسة مجاميع علوية في سوريا التي أسلمتْ و أصبحت مسلمة وإنسلخت عن العلويين. نتيجة الغزو الإسلامي العربي للمنطقة وكَون الإسلام ديناً شمولياً غير متسامح مع الأديان والمعتقدات الأخرى ووقوع المنطقة تحت حكم عربي إسلامي لأكثر من 1400 سنة، فأن أعداداً كبيرة من العلويين و غيرهم من أصحاب الديانات غير الإسلامية أُجبِروا على ترك دياناتهم القديمة وإعتناق الدين الإسلامي، أو إضطروا أن يعتنقوا الإسلام.
خلال وقوع أصحاب الديانات غير الإسلامية تحت الحكم العربي الإسلامي والممتدة لأكثر من 1400 سنة، فقدت الديانات القديمة في المنطقة الكثير من معالم هوياتها ومعتقداتها وطقوسها وأُدخلت إليها معتقدات وطقوس إسلامية لِتلافي القتل والسبي أو دفع الجزية والتخلص من الإرهاب والتهديدات والإهانات والضغوط المفروضة على معتنقي االديانات غير الإسلامية من جانب المسلمين. نرى في سوريا، على سبيل المثال، بأن بشار الأسد العلوي يذهب للصلاة في أحد الجوامع خلال الأعياد الإسلامية. بشار الأسد ينتمي الى الشريحة العلوية المنسلخة عن العقيدة العلوية، حيث أن الدين العلوي لا يؤمن بالشهادة الإسلامية (أشهد ان لا إله الا الله محمد رسول الله) ولا يصوم العلويون شهر رمضان ولا يصلّون ولا يؤدون فريضة الحج في مكة ولا يقومون بدفع الزكاة، أي أن الأركان الخمس للإسلام لا وجود لها في الدين العلوي، بل أن العلويين يقدمون النذور ويصومون لمدة ثلاث أيام في السنة في منتصف الشتاء الذي يُصادف ميلاد ميترا (ميثرا) وهذا أحد الأدلة على أن الدين العلوي هو إمتداد للديانة الآرية (المثرائية واليزدانية). من الجدير بالذكر أن الپروفيسور عزالدين مصطفى رسول، نقلاً عن (جميل الاسد) شقيق الرئيس السوري الراحل (حافظ الاسد)، يقول بأن عائلة الأسد هي عائلة كوردية كاكائية من مدينة خانقين الواقعة في إقليم جنوب كوردستان التي هاجرت من هذه المدينة الى سوريا (يمكن مشاهدة المقابلة التلفزيونية مع الدكتور عزالدين حول الموضوع من خلال رابط الفيديو الموجود في نهاية هذا المقال). كما أن إيمان العلويين بِتناسخ الأرواح هو إثبات جازم لإنتمائهم الى الأديان القديمة في منطقة غرب آسيا وهذا الإعتقاد نجده عند الهندوس والبوذيين والإيزديين والدروز واليارسانيين وغيرهم من أتباع الديانات القديمة في المنطقة. إذن دراسات هذه المجموعة من الباحثين هي عن "العلويين" الذين هجروا دينهم وإعتنقوا الإسلام، لذلك لا يمكن تصنيف هذه الدراسات ضمن الدراسات العلوية. من جهة أخرى نجد أن العلويين في شمال كوردستان و في تركيا لا يزالون يحتفظون بالكثير من معتقداتهم وطقوسهم الدينية.
[youtube src="5AboaTohwP0"/]



4. المجموعة الرابعة تضم باحثين علويين، يدّعون في "دراساتهم" بأنهم مسلمون، كوسيلة لحماية العلويين من القتل والإضطهاد والتهديد والإرهاب والمضايقة أو أن هؤلاء من الشريحة العلوية المنفصمة عن العقيدة العلوية و الشاعرة بالدونية، ولذلك يحاولون بكل الوسائل أن يجعلوا من العلويين طائفة إسلامية.
الديانة العلوية هي من الأديان اليزدانية الآرية ولا تمتّ بأية صلة بالدين الإسلامي وأن إدخال بعض الرموز الإسلامية فيها هو للحفاظ على هذا الدين وعلى أرواح معتنقيها. هنا أذكر خمس أدلة على كون الدين العلوي هو من فرع من فروع الديانة المثرائية:
1. معتنقو الديانة العلوية والدروزية يؤمنون بتناسخ الأرواح وهذا كفر في الدين الإسلامي. هكذا فأن العلويين والدروز يلتقون في هذا الإعتقاد مع بقية فروع الديانة المثرائية، كالديانة الإيزدية واليارسانية والهندوسية والبوذية والشبكية. الإيمان بتناسخ الأرواح دليل جازم بأن العلوية والدروزية هما فرعان من فروع المثرائية ولا تربطهم أية صلة بالإسلام.
2. إسم الطبقة الدينية العليا للعلويين والدروز واليارسانيين والإيزديين هو (پیر PÎR) وهي كلمة كوردية خالصة والتي تعني (شيخ، عجوز، شخص كبير العمر) وهنا تعني (شخص محترم). هذا يشير بوضوح الى أن هذه الأديان لها أصل واحد وهو المثرائية وكذلك أن هذه الأديان بما فيها الديانة الدروزية والعلوية ذات أصل كوردي.
3. إسم المعبد في الديانة العلوية يُسمى (جَمَڤي CEMEVÎ) و في الديانة اليارسانية يُسمّى "جَمخانه CEMXANE" وكلاهما يعنيان (محل التجمّع)، حيث يتم الإجتماع في المعبد ويتم تقديم النذور وأداء الطقوس الدينية فيه. كلمة "جَم" هي كلمة كوردية قديمة وحتى أن عاصمة الإمبراطورية الميدية كان إسمها (جَمَزان) والتي تعني (ملتقى الطرق). هذا يعني كوردية أصل الدين العلوي. الكلمة العربية (جمع) و مشتقاتها مثل (جماعة، جمعة، تجمّع، جِماع، إجماع، ، إجتماع، جموع، مجموع... الخ) مأخوذة من الكلمة الكوردية "جَم".
4. يقوم العلويون بتقديم النذور بصورة مأكولات مطبوخة و فواكه في إجتماعات دينية خاصة، حيث يترأسها ال(پير) وبمشاركة مساعديه وآخرين وأداء مراسيم خاصة وقراءة أدعية دينية خاصة بهذه المناسبة. هذه الإجتماعات الدينية والمراسيم تتطابق مع ما لدى اليارسانيين (الكاكائيين).
5. موطن العلويين هي كوردستان، حيث يقطن معظمهم في المنطقة المحصورة بين سلسلة الجبال الممتدة من عكار جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً، ويتوزع بعضهم في ريف حماة وحمص، ولواء اسكندرون وقيليقية. نرى أن أكثريتهم لا يزالون يعيشون في موطنهم الأصلي، كوردستان. ("عكار" هي إحدى المحافظات اللبنانية والتي تقع بِمحاذاة الحدود السورية الشمالية).
الديانة العلوية و الإيزدية و الدروزية و اليارسانية (الكاكائية) والشبك تكاد تكون ديانة واحدة، حيث أنها متشابهة في العقيدة و الشخصيات الدينية و الإيمان بتناسخ الأرواح و النظام الطبقي و الطقوس الدينية من صوم و تقديم النذور و التكايا و الإحتفاظ بالشارب و غيرها. لذلك فأن المصادر الرصينة تذكر بأن الديانة العلوية هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. عند المقارنة بين العقيدة الإسلامية و العلوية، نرى أنّه ليس هناك أيّ رابط يربط بين هذين الدينَين، حيث لا وجود للأركان الخمسة للدين الإسلامي عند العلويين. عليه فأن الدين العلوي هو دين كوردي قديم و أن قسماً من معتنقي هذا الدين من غير الكورد، هم كورد مستتركون أو مستعربون أو مستفرسون، بينما القسم الآخر ينتمون لقوميات أخرى، غير القومية الكوردية وقد إعتنقوا هذا الدين الكوردي و جعلوه ديناً لهم.
هكذا نرى أن الكثير من صفحات تاريخ منطقة الشرق الأوسط مكتوبة من قِبل الحُكّام وللحُكام ومن قِبل أناس عنصريين وطائفيين وشموليين ومنحازين. كما أن "دراسات" الكثير من الغربيين هي "دراسات" خاطئة أو محرّفة بسبب كون حكومات دول منطقة الشرق الأوسط هي مرجعيات ومصادر هذه الدراسات سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة وبسبب جهل هؤلاء المؤرخين للغات وثقافات وتراث وخلفيات شعوب المنطقة. لذلك يجب إعادة النظر في تاريخ هذه المنطقة في مختلف المجالات من خلال إجراء دراسات وأبحاث علمية رصينة، حيث أن العولمة وثورة المعلومات والتغيّرات السياسية الكبرى التي حصلت وتحصل في المنطقة، فتحت آفاقاً واسعة للإكتشافات الأثرية وتوفّر فرصاً ممتازة للمؤرخين والباحثين لإعادة النظر في تاريخ المنطقة خدمةً للحقيقة ولإنصاف الأمم والشعوب والقوميات والأديان والطوائف والشرائح الإجتماعية التي تعرض تاريخها للإلغاء أو التزوير والتحريف والتشويه وكشف التاريخ المزوّر والمُحرّف. العولمة وثورة المعلومات وسرعة نقلها، تتيح للباحثين إكتشاف جوانب مجهولة من التاريخ وتصحيح الكثير من الجوانب التاريخية التي تم زيفها وتحريفها أو تمت دراستها بشكل خاطئ أو ناقص. لذلك يجب العمل بكل حيادية وموضوعية وبِمهنية لتقديم أبحاث ودراسات علمية وأكاديمية للتوصل الى الحقائق التاريخية وإنقاذ تاريخ منطقة الشرق الأوسط من التزوير والتحريف والتشويه والبتر.

اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك:

الأربعاء، 29 يونيو 2016

التزوير العلني ( إلى متى الاستخفاف بعقل الشعب العربي)


التزوير العلني
الى متى الاستخفاف بعقل الشعب العربي
جوان سعدون

- اشتُهر أغلب الكُتّاب والمؤرخين العرب لدى الدول الغربية و مراكز البحث العلمي بالانحياز الفاضح لقوميّتهم و دينهم في كتاباتهم المتخصصة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط و شمال افريقيا ، لدرجة وصلت بهم أن يتصرّفوا حتى بكتابات المؤلفين والمؤرخين الغربيين من خلال ترجماتهم لنصوص معينة و إحداثهم التغيير الكثير بمحتوى الكتب بما يتناسب مع أخيلتهم و أحلامهم و معتقداتهم حتى يمسي تغييراً جذرياً في الكثير من الأحيان .
مقدمة كتاب " البدو" المترجم للعربية 
- وكمثال على ما ذكرته ، كتاب " البدو" للعالم و الرحالة الألماني البارون ماكس ڤون أوپنهايم ، الذي جاب الشرق الأوسط سنوات طويلة لاستكشاف المنطقة و عشائرها ، والذي قام بترجمته " محمود كبيبو " ، وقام بالتحقيق والتدقيق " ماجد شبّر " ، حيثُ يعتبر كتاب "البدو" المترجم للعربية مرجعاً للعرب ولمن يريد الإطلاع على تاريخ عشيرته أو قبيلته و يتواجد هذا الكتاب في كل الدول العربية و مكاتبها بالرغم من اعتراف المترجم في مقدمة الكتاب بتعديله حسب ما اعتبره (( تحريفاً )) من قبل أوپنهايم .
- الأهم من ذلك هو أنّ المترجم قام بترجمة الأجزاء المتعلقة بالعرب فقط وتعديلها و أيضاً التي تتضمن احتكاكهم ببعض القبائل الكُردية ، ظاهراً بذلك أن القبائل العربية هي الطاغية في المنطقة ، علماً أن الكتاب الأصلي الموجود بالنسخة الألمانية غير مخصصة للقبائل العربية فقط.

- وكمثال آخر ، كتاب " تصنيف المائة الأكثر تأثيراً في التاريخ " لمؤلفه الأمريكي مايكل هارت ، اليهودي الديانة ، والذي يذكر من خلاله شخصيات إيجابية ( علماء و حكماء ) وسلبية ( مجرمين و طغاة ) أثرت في التاريخ و قام بترتيبهم من الأكثر تأثيراً والذي قام بترجمته أنيس منصور و تصرّف بالمحتوى ليتناسب مع معتقداته ، لدرجة إذا قرأت الكتاب باللغة العربية ستظنّ أنّ مايكل هارت مسلم الديانة فقد غيّر أنيس منصور حتى العنوان وسمّى الكتاب ( الخالدون المائة أعظمهم محمد رسول الله) ، والمصيبة أنّ أنيس منصور يعترف أيضاً في مقدمة ترجمته للكتاب أنّ تصرّف به وصحّح بعض الأمور ، و للأسف نال ما قام بتعديله أنيس منصور شهرة ساحقة في العالم العربي من خلال البسطاء و الغيورين على معتقداتهم الدينية على مبدأ ( الدعاية للدين أجر وثواب ) .
- من المعروف بالنسبة للجميع ، أنّ الدول الناطقة باللغة العربية لا تمتلك قراءً بنسبة كبيرة ، فمن سيقوم أصلاً بمحاسبة هؤلاء المدلّسين؟
- تعلّم أغلب الشعب العربي أن يتهم غيره ممن يخالفه المعتقد و الرأي بالتزوير والتحريف دون تحديد الجزء المحرّف والمزور أو على الأقل كشف الأصل بالدليل الملموس، كاتهاماتهم كتب الديانات الأخرى بالمحرّفة دون الكشف عن الأصل الصحيح ، وبدلاً من إثبات اتهاماتهم بالأدلة الملموسة يقومون بالتصرف بمحتويات مؤلفات الآخرين بدون أدنى ذرة من الاحترام لعقول شعوبهم الغارقة في ملاحقة الدعاية للمستبد أو للدين .



اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك:

السبت، 18 يونيو 2016

من هو الاصل الديانة الايزيدية او الشعب الكوردي ؟



من هو الاصل 
الديانة الايزيدية او الشعب الكوردي ؟ 

د.مهدي كاكه يي
الإنسان هو خالق الأفكار والعقائد والفلسفة والأديان ولولا الإنسان لما كانت هناك أديان. هل الإنسان تابع للفكر أم الفكر تابع للإنسان؟ بالطبع الفكر هو من إبتكارات الإنسان وعليه فأن الفكر ليس فقط تابعاً للإنسان، بل من إبتكاراته. أسلاف الشعب الكوردي هم الذين أوجدوا الديانة الإيزدية وغيرها من الأديان الكوردية القديمة. أقتطف هنا هذه الفقرات من إحدى مقالاتي التي تشير الى أصل الديانة الإيزدية:
(الديانات الإيزْدية و المَزْدَكية و اليارسانية (كاكەيي) والهلاوية (العلوية) و الدروزية والشبكية هي إمتداد للديانة المثرائية المتجلية في الديانة اليزدانية. قبل ظهور المسيحية، كان جميع الآريين يعتنقون الديانة المثرائية. عليه فأن الديانة اليزدانية هي أقدم بكثير من الديانة الزردشتية، حيث أنه قبل أكثر من 3500 سنة، كان أسلاف الكورد الميتانيون يُدينون بالديانة المثرائية. كما أن الميديين كانوا يعتنقون الديانة اليزدانية، حيث أن اليزدانية كانت الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية.
تظهر بقايا معتقدات الديانة المثرائية بوضوح في هذه الأديان الكوردية، مثل تناسخ الأرواح والإعتقاد بوجود قوتَين متضادتَين وهما الخير والشر، وكذلك قُدسية الشمس والنار وتقديم القرابين (النذور) للأحياء والأموات و تقبيل الأرض الذي هو طقس ديني للتعبير عن حب الإنسان للأرض وشكرها، حيث يعيش الإنسان عليها و أن إستمرارية حياته مرتبطة بها.
لذلك فأن الديانة الهلاوية و الإيزدية و الدروزية و اليارسانية (الكاكائية) والشبك تكاد تكون ديانة واحدة. إن هذه الأديان متشابهة في العقيدة و الشخصيات الدينية و الإيمان بتناسخ الأرواح و النظام الطبقي و الطقوس الدينية من صوم و تقديم النذور و التكايا و الإحتفاظ بالشارب و غيرها، حيث أن جميعها ينحدر من الديانة المثرائية. الإختلافات البسيطة الموجودة بين هذه الأديان، ناتجة عن العزل الجغرافي بين أصحاب هذه الأديان، حيث أن عيشها ضمن كيانات سياسية مختلفة والتباعد الجغرافي بينهم والعيش بمعزل عن بعضهم البعض، خلقت بمرور الزمن هذه الإختلافات البسيطة في أسماء الشخصيات الدينية والطقوس الدينية وغيرها). إنتهى الإقتباس.
مما سبق، نرى أن الديانة الإيزيدية لم تكن موجودة قبل 3500 سنة، بل كانت هناك الديانة المثرائية والتي بمرور الزمن إنبثقت منها الديانات الهندوسية والبوذية والإيزدية واليارسانية والهلاوية والدروزية والشبكية والمزدكية، بينما تمّ ذكر الكورد في وثيقة تاريخية قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد والتي هي عبارة عن لوحَين من الحجر نقش عليهما نص سومري، سبق ل(إرنانا)، الوزير الأكبر للملك السومري سوشين (2037 – 2029 ق. م.) أن أمر بوضعهما تحت قاعدة الباب العائد لمعبد جديد تم بناؤه في جرسو (تيللو) في جنوب العراق. بعد أن يذكر (إرنانا) سلسلة من ألقابه ومناصبه، يذكر بأنه محافظ عسكري لأربيلوم (أربيل)، ومحافظ كل من خماسي وكره خار (قره خان/ جلولاء)، وكذلك القائد العسكري لأهالي سو وبلاد كوردا (كوردستان الكبرى). إذن (كورد أو كوردا) ليس إسم منطقة، بل أنه إسم شعب. أسلاف الكورد قبل مئات الآلاف من السنين كانوا يعيشون في كهوف كوردستان وأسلاف الكورد السومريون قبل اكثر من 8000 سنة كانوا يعيشون في كوردستان و في تلك الأزمنة كان لا وجود للديانة المثرائية نفسها والتي كانت ديانة الشعوب الآرية والتي الديانة الإيزدية هي من بقاياها. هكذا فأن الشعب الكوردي، بمختلف مسمياته، كان موجوداً وآمن بعقائد عديدة في مراحل حياتها الى أن إعتنق المثرائية والتي إنبثقت منها عدة ديانات والتي إحداها هي الديانة الإيزدية.

اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك:

الجمعة، 20 مايو 2016

تاريخ تقسيم كوردستان في العصر الحديث




تاريخ تقسيم كوردستان
في العصر الحديث

د.مهدي كاكه يى

قبل معركة جالديران التي حدثت بين الإمبراطورية الصفوية والعثمانية، كانت كوردستان مقسمة الى إمارات كوردية مستقلة ضمن الإمبراطورية الصفوية، على سبيل المثال كانت إمارة أردلان الكوردستانية تمتد من مدينة أصفهان الى مدينة الموصل ودام حكمها لمدة 700 سنة (1169 - 1869 ميلادية). عند نشوب معركة جالديران بين الإمبراطوريتَين العثمانية و الصفوية في سنة 1514 وإنتصار العثمانيين في هذه الحرب، تمّ تقسيم كوردستان لأول مرة، حيث تم إحتلال قسم منها من قِبل العثمانيين والقسم الآخر إحتله الصفويون. في 17 مايس سنة 1639، تمّ تثبيت ذلك التقسيم نهائياً بموجب معاهدة قصر شيرين (زهاب) التي أُبرمت بين الإمبراطوريتين المذكورتَين1.
كان للكورد دوراً حاسماً في إنتصار الدولة العثمانية على الدولة الصفوية، حيث تحالف معظم الأمراء الكورد مع العثمانيين. لعِب العامل الطائفي دوراً بارزاً في التحالف الكوردي – العثماني، حيث أن أكثرية الكورد والأتراك ينتمون الى المذهب السُنّي، بينما الصفويون كانوا يعتنقون المذهب الشيعي. من الجدير بالذكر أن حُكّام الإمبراطورية الصفوية كانوا كورداً، حيث كان نادر شاه كوردياً و أنّ الصفويين كانوا ينتمون الى عائلة كوردية من شيوخ الدراويش و لم يكونوا فرساً2، إلا أن حُكّام الإمبراطورية الصفوية خدموا الفرس ولم يعملوا لِصالح شعبهم الكوردي.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وزوال الإمبراطورية العثمانية، تمّ تقسيم كوردستان من جديد بموجب إتفاقية سايكس – بيكو، فتمّ ضمّ القسم الكوردستاني الذي كان تحت حكم الإستعمار العثماني، الى ثلاث كيانات سياسية مصطنعة التي تم تأسيسها في المنطقة، وهي تركيا و العراق و سوريا.
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت إيران الحالية يحكمها القاجاريون وكانت الإنتفاضات والتمردات العشائرية قد خلقت فوضى كبيرة فيها ولم تكن للحكومة القاجارية سلطة فعلية في البلاد، بينما كانت بقية منطقة الشرق الأوسط واقعة تحت الحكم العثماني. لذلك لم تكن هناك دول مستقلة في المنطقة، بل كانت المنطقة مقسمة الى ولايات عثمانية، على سبيل المثال، كان العراق الحالي عبارة عن ثلاث ولايات وهي ولاية شهرزور وبغداد والبصرة وكانت ولاية البصرة تضم منطقة القطيف والإحساء الشيعيتَين الغنيتَين بالبترول واللتين تم ضمهما للمملكة العربية السعودية و هما الآن جزء من أراضي هذه المملكة وكانت الكويت أيضاً جزءاً من ولاية البصرة. عليه فأن هذه الدول المصطنعة ظهرت في المنطقة بحدودها الحالية بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى والتي خلالها تمّ ضم الجزء العثماني من كوردستان الى الدول التي تم إصطناعها بموجب إتفاقية سايكس – بيكو الإستعمارية وهي تركيا والعراق وسوريا.
بعد الحرب العالمية الأولى أصبح الشيخ محمود الحفيد ملِكاً على جنوب كوردستان، إلا أن الإستعمار البريطاني قام بإحتلال مملكته وضمها للمملكة العراقية التي قام الإنكليز بإستيراد رجل سعودي الى العراق ونصّبوه ملكاً عليه.
العنصريون الأتراك والعرب والفرس يتبجحون بأن كوردستان لم تكن مستقلة في السابق في العصر الحديث ولذلك لا يحق لها الإستقلال، بينما كانت كوردستان جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، كغيرها من المناطق وأن العراق الحالي وسوريا وتركيا ولبنان والسعودية والأردن الحالية وغيرها من دول المنطقة، لم يكن لها وجود قبل الحرب العالمية الأولى ككيانات سياسية، حالها حال كوردستان. كما أنه حسب قوانين الأمم المتحدة، فأن لكل شعب الحق في تأسيس دولته المستقلة وبذلك يحق لشعب كوردستان أن يحرر وطنه ويؤسس دولة مستقلة على أرضه التأريخية.

المصادر
محمد أمين زكي (1948). تاريخ الكورد وكوردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة: محمد علي عوني,مطبعة السعادة,القاهرة

اكمل القراءة
ليست هناك تعليقات
شارك: